حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف rmadi41 في السبت نوفمبر 01, 2008 4:14 pm


حاجي خليفة و يلقب أيضا بكاتب جلبي و اسمه في الأصل مصطفى بن عبد الله و لكن غلب عليه لقبه , و قد ورد ذكره في كتاب تاريخ الأدب الجغرافي العربي للمستشرق كراتشكوفسكي كثيرا لأهمية سفره الببليوغرافي الضخم و المشهور ( الببليوغرافيا هي علم تأريخ الكتب ) و الذي لا يستطيع الاستغناء عنه من يريد الغوص في الأدب العربي بل و في الأدبين الفارسي و التركي إلى حد ما , و هو يحتاج إلى اهتمام خاص لأنه جغرافي تركي و له بعض المصنفات المكتوبة بالعربية في الجغرافيا , و لكنه لم يكن صاحب خبرة عملية أو تجربة شخصية فيما يكتب و لكنه يعوض هذا باطلاع واسع المدى فقد تشرب الـثـقـافـة الإسلامية في جميع فروعها الثلاثة و هي الأدب العربي و الفارسي و التركي .
و قد أحس حاجي خليفة بعاطفة جياشة نحو العلم فأولاه مخلصا كل جهده و نشاطه , و منعته أمانته من أن يغمض عينيه عن التأثيرات و الحقائق التي قدمت من الغرب فجهد دائما في أن يفيد منه و لم يخش في ذلك الاتهام بالبدعة أو الإدانة بالزيغ و الضلال , و رغم ثقافته الشرقية الواسعة لم يرفض المصادر الغربية بل كان على استعداد ليتفهم ما وقع إليه منها عرضا عن طريق الآخرين و ذلك وفقا لمنهجه الخاص و لمفهومه الثقافي , وهو و إن انتسب إلى عصر يعد بحق عصر تدهور إن لم يكن عصر سقوط تام بالنسبة للثقافة العربية إلا أنه ينهض دليلا واضحا على أن تلك الثقافة لم تمت في ذلك العصر بل على العكس من ذلك تطلبت من ممثليها بذل مجهود مضاعف لا مكان فيه للكلل و الملل و لو لطرفة من الزمان , و لا تخلو سيرة حياة حاجي خليفة من عبرة في هذا الصدد لأنه لم يستطع أن يقتطع وقتا خالصا للعلم وفقا لمفهومه سوى فترات قصيرة من حياته , و معرفتنا بسيرة حياته تعتمد على مصادر جديرة بالثقة , فهي من ناحية مستقاة من ترجمة حياته التي كتبها بقلمه و ألحقها بأحد مصنفاته و هو ( ميزان الحق في اختيار الأحق ) و تسوق تاريخ حياته إلى العام السابق لوفاته , و من ناحية أخرى على مواد جمعها الناشر لأحد كتبه في عام 1146 هـ = 1733 م ( تقويم التواريخ ) .
ولد مترجمنا بالقسطنطينية عام1017 هـ = 1609 م في أسرة كاتب صغير يعمل بديوان العسكرية , بعد أن أنهى التعليم الأولي المعهود آنذاك سلك خطا أبيه فالتحق منذ عام 1032 هـ = 1623 م بالديوان ليتدرب على الأعمال الكتابية و لم يلبث أن شغل وظيفة كتابية متواضعة هي محاسب بوحدات الجيش بالأناضول و بهذا أخذ طرفا في الحملة العسكرية على بلاد الفرس التي لم توفق في حصارها لبغداد في عام 1035هـ = 1626م , وحضر حصار أرضروم عام 1036هـ-1037هـ=
1627م-1628م عند قتال أبازة باشا للإنكشارية , و بعد أعوام من هذا رجع إلى القسطنطينية ليشغل وظيفة رئيس للكتبة و لذلك لقب بكاتب جلبي , هذا و قد أيقظت في نفسه دروس شيخ العلماء قاضي زاده الشوق نحو العلم و وجد في هذا تشجيعا من أبيه فاتجه في بادئ الأمر إلى دراسة العربية غير أن اندلاع نيران الحرب مع الفرس اضطره إلى إيقاف تلك الدراسة في عام 1039هـ =1629م فتبع القوات العثمانية إلى همدان و بغداد و عند عودته إلى وطنه شغل نفسه بدراسة التفسير و تعمق في فهم البيضاوي و الغزالي على قاضي زاده المذكور و في عام 1633م ذهب إلى سوريا مع جيش الصدر الأعظم محمد باشا و اشترك في الحملة الكبرى على بلاد الفرس التي قادها السلطان العظيم مراد الرابع بنفسه رحمه الله , و عندما عسكر الجيش بحلب لتمضية فصل الشتاء اغتنم حاجي خليفة هذه الفرصة فأدى فريضة الحج ثم اشترك في حصار اريفان ( روان ) التي تقع في أرمينيا حاليا عام 1635م , و كان شوقه و تشوفه للعلم قد قوي لديه عقب إقامته بحلب الشهباء التي كانت لا تزال محتفظة بمكانتها الثقافية آنذاك , و دفعه هذا إلى المطالبة بإحالته إلى الاستيداع و رجع إلى القسطنطينية حيث انصرف انصرافا تاما لمدة عشرة أعوام إلى دراسة التفسير و الحديث و المنطق و اللغة ثم تحول بعد ذلك إلى دراسة الرياضيات و الفلك و الجغرافيا و الطب , و قد عاونه على أن يتفرغ للدراسة ثروة ورثها عن بعض قرابته , و هو يفصل لنا في ترجمته لسيرة حياته كيف كان يصرف مبالغ طائلة لاقتناء الكتب , ثم لم يلبث أن اتسعت شهرته و بدأ يخطو شيئا فشيئا في مجال التدريس , و قد هرع إلى مد يد العون إليه قائد الجيش العثماني الذي كان يعرفه شخصيا و هو محمد باشا فعينه في عام 1058هـ = 1648م نائبا ثانيا بالإدارة المالية لديوان الجيش ( باش محاسبة ده إيكنجي خليفة ) و بهذا ثبت عليه بالتالي لقب حاجي خليفة . و في الهامش يقول المترجم لقبوه بذلك بعد أن حج و ترقى بين الكتاب إلى رتبة النيابة عن رئيس القسم على مصطلح العثمانيين , و ذلك أن صغار الكتاب يسمون في مصطلحهم الملازمين و فوقهم الخلفاء و فوقهم الرئيس الأعلى للكتاب .
و مؤلف الكشف معروف بين المستشرقين باسم حاجي قالفه على طبق ما يلهج به العوام في عاصمة الخلافة ( عن مقال للشيخ محمد زاهد الكوثري ) انتهى كلام المترجم , و نعود لكلام كراتشكوفسكي ,
و كان هذا المنصب اسميا فقط فقد كلف بالحضور إلى الخدمة مرتين في الاسبوع .
غير أن خبرته في الشئون المالية لم تكن بأقل شهرة من سمعته العلمية فدعي في عام 1063هـ = 1653م إلى الاشتراك في لجنة خاصة برئاسة السلطان محمد الرابع ( الصياد ) لبحث الوسائل الناجعة لإجراء التحسينات على ميزانية الدولة و قد وضع حاجي خليفة بهذه المناسبة مذكرة رفعت بعد أعوام إلى المفتي الأكبر و ترجمها إلى الألمانية في القرن التاسع عشر برناور Bernauer بوصفها مصدرا هاما للمسائل التي تتناول الكلام عليها ثم نشرها في عام 1280هـ= 1863م الكاتب التركي احمد وفيق ( توفي عام 1308هـ=1891م رحمه الله ) الذي عرف عنه بوجه عام الاهتمام بمثل هذه المسائل . و ظل حاجي خليفة مدة أربعة أعوام بعد هذا يعمل في البحث و التدريس إلى أن وافاه الأجل بمسقط رأسه في سبتمبر من عام 1067 هـ = 1657م نتيجة لتوعك طارئ ألم به و قد يرجع البعض تاريخ وفاته إلى عام 1658م و هو أقل دقة من سابقه و لم يكن حاجي خليفة قد جاوز الخمسين من عمره حين وافته منيته رحمه الله .
و يعده بابنجر Babinger أكبر موسوعي (poly histor ) بين العثمانيين , انتظمت معرفته جميع فروع العلوم المعروفة آنذاك و ينعكس تملكه لناصية جميع العلوم المعروفة لعصره قبل كل شيء في مصنفه الضخم ( كشف الظنون ) و هو أشبه ما يكون بدائرة معارف و سجل عام في تواريخ المصنفات المختلفة , و لديه أيضا مصنفات تعالج المسائل المالية و الاقتصادية و هو قد عالج أيضا التأليف في المواضيع الأدبية و الفقهية , بيد أن الغالبية العظمى من تآليفه إنما تعنى قبل كل شيء بالتاريخ و الجغرافيا و قلة عدد مؤلفاته التي تتراوح بين العشرين و الثلاثين ترجع إلى أن فترة النشاط التأليفي الفعال لحاجي خليفة لم تكن طويلة فهو قد انتهى من تدوين أول مؤلف له , و هو مصنف ذو طابع تاريخي كتبه باللغة العربية , في عام 1051هـ = 1641م , أما مؤلفه الأخير و الذي يمس أحيانا سيرة حياته فقد انتهى منه قبل عام من وفاته و ذلك في نوفمبر من عام 1067هـ = 1656م . من هذا يتبين لنا أن حاجي خليفة قد استطاع أن يدون عددا من المؤلفات الكبرى التي قفزت إلى أجزاء عديدة في فترة لا تتجاوز الخمسة عشر عاما , و لعله يمكن تفسير هذا بأن المؤلف قد بدأ في جمع مادته بلا شك قبل ذلك بعهد طويل أي منذ سني شبابه الأولى ثم ظل يزيد فيها على مر الأيام غائصا في مختلف فروع العلم , زد على هذا أنه قد اضطر مرات عديدة إلى عمل مسودات جديدة لتحل محل القديمة .
أما بالنسبة لنا ( أي بالنسبة لموضوع كتاب تاريخ الأدب الجغرافي العربي ) فتشغل المكانة الأولى بالطبع مؤلفاته المخصصة للجغرافيا أو المتصلة بها اتصالا مباشرا , و عددها أربعة هي : معجمه الببليوغرافي الضخم الذي وضعه باللغة العربية و الذي يحيط بجميع فروع العلم و الأدب , ثم سفره الأساسي في الجغرافيا العامة باللغة التركية , و أخيرا مصنفان باللغة التركية يحملان طابعا أكثر تخصصا أحدهما صياغة معدلة لأطلس اوروبي للعصر القريب منه و الآخر مصنف تاريخي يرتبط ارتباطا وثيقا بالجغرافيا الملاحية .
و قد اكتسب شهرة واسعة النطاق معجمه الببليوغرافي الكبير أو lexicon bibliographicum و هو العنوان اللاتيني الذي أعطاه إياه ناشره الأوروبي , و أهمية هذا السفر كبيرة بالنسبة لجميع فروع العلوم و من ثم فإننا لن نبحث صلته بالجغرافيا وحدها بل سنمس أيضا بعض المسائل المتصلة بأهدافه العامة و بالمادة التي يحتويها بين دفتيه . و يتبين لنا من ترجمة المؤلف لسيرة حياته أنه قد بدأ يجمع المادة لمصنفه هذا منذ عام 1045هـ = 1635م أي عقب رجوعه من الحملة العسكرية التي أمضى وقتا بمدينة حلب حيث أدهشه غنى دكاكين الوراقين و الكتبيين بالكتب فبدأ في فحص محتوياتها و تدوين عناوين المخطوطات و مضمونها و لا غرو فقد كانت حلب من أكبر المراكز الثقافية بالبلاد العربية منذ عهد الحمدانيين في القرن العاشر و ظلت محتفظة بهذه المكانة إلى عهد حاجي خليفة و إذا كان العثمانيون كما رأينا قد سلبوا القاهرة كنوزها المخطوطية و أن عددا ضخما من هذه الكتب قد وجد طريقه إلى القسطنطينية فإن مصير سوريا كان أفضل من ذلك بكثير ( يتجاهل المؤلف أن هذه الأقطار كلها تمثل دولة واحدة ) و على النقيض من دمشق فإن حلب قد امتازت بخاصية أخرى هي أنها لم تقف عند حد كونها مركزا للثقافية العربية القديمة بل فتحت أبوابها أيضا للتأثيرات الجديدة حتى أصبحت في بعض الأحيان مهدا لحركات أدبية مجددة , و لنذكر في هذا الصدد أنه قبل أعوام من زيارة حاجي خليفة لها عاش بهذه المدينة لفترة طويلة المستشرقان بوكوك و غوليوس مؤسسا الاستعراب في أوروبا و يتبين من مجموعة مخطوطات الأخير الموجودة بليدن أن القسم الأهم منها قد جمعه بحلب , كما نذكر أيضا أنه بعد عشرين عاما من حاجي خليفة خرج من حلب في طريقه إلى بلاد الموسكوف ( روسيا ) النائية البطريرك مكاريوس الأنطاكي الذي و إن انتمى إلى وسط مغاير تماما إلا أنه جهد بقدر استطاعته في أن يوقظ الميل نحو الثقافة بين العرب النصارى , و بعد قرون من هذا عاش بحلب جرمان فرحات الذي يعد من القوى المحركة التي أدت إلى انبعاث النهضة الأدبية العربية في القرن التاسع عشر .
و ظلت حلب محتفظة بأهميتها كمركز ثقافي حتى القرن 19 , و من الملاحظ أن أفضل مخطوطات مجموعة روسو التي تزين معهد الدراسات الشرقية لأكاديمية العلوم السوفييتية قد جاءت من حلب , بل إن حلب كان ينظر إليها في استنبول على عهد هامر على أنها أنسب مركز للتمكنفي دراسة اللغة العربية و أدبها , و يصدق هذا على الفارسية أيضا !!!؟ , فليس غريبا إذن أن يدهش غناها بالمخطوطات في القرن السابع عشر شخصا كحاجي خليفة , بل و ليس بعيدا أن تكون الجالية الأوروبية المقيمة بها هي التي اطلعته على المؤلفات الأوروبية في مجال الجغرافيا , تلك المؤلفات التي لعبت بالتالي دورا كبيرا في نشاطه العلمي و ليست المادة العلمية التي أمدته بها استنبول بأقل أهمية من تلك التي حبته بها حلب , فقد أصبحت استنبول منذ بداية القرن السادس عشر كما رأينا سوقا حافلا للمؤلفات العربية , و يتضاءل بصورة واضحة إلى جانب هذين المركزين الكبيرين دور المراكز الأخرى خاصة و أن إقامته بها كانت على أغلب الظن قصيرة الأمد و لو أنه يتبين من دلائل متفرقة أن حاجي خليفة قد جهد دائما في الاتصال بالعلماء المحليين في كل موضع زاره كما جهد في ذات الوقت في الإطلاع على جميع مجموعات المخطوطات التي مر عليها محاولا على الدوام أن يستكمل مادته إلى آخر أيام حياته , و قد سار العمل في تأليف هذا الكتاب ببطء شديد فأكمل الجزء الأول بعد خمسة عشر عاما أي في سنة 1064هـ = 1653م و يبدو أن الكتاب لم يأخذ صيغته النهائية إلى لحظة وفاة المؤلف شأنه في هذا شأن جميع المؤلفات التي من هذا القبيل , كما و إنه يقابلنا فيه من لحظة لأخرى بياض بالأصل , و الكتاب لا يمثل في طابعه مرجعا ببليوغرافيا مكرسا لوصف الكتب فحسب بل إنه يقدم لنا بنفس الدرجة عرضا جامعا للعلوم , لا على طريقة موسوعات

rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف rmadi41 في السبت نوفمبر 01, 2008 4:15 pm


عهد المماليك الكبيرة بل على أسلوب المراجع الموجزة في العلوم التي يشغل مصنفه بينها مركزا هاما و يتمم سلسلة موغلة في القدم و إن كان أبعد من أن يمثل آخر حلقاتها , و مقدمة هذا الكتاب تعطينا فكرة جيدة عن أهدافه و قيمته الخاصة بل و عن المصادر التي اعتمد عليها , و هو بعد أن يورد الألفاظ المعهودة في بدء الكلام لدى علماء المسلمين كحمد الله و شكره و الصلاة على نبيه إلخ ( كلام المستشرق ) ( اللهم صل و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين ) يلج موضوعه مباشرة فيقول : أما بعد لما كان كشف دقائق العلوم و تبيين حقائقها من أجلّ المواهب و أعزّ المطالب قيض الله سبحانه في كل عصر علماء قاموا بأعباء ذلك الأمر العظيم و كشفوا عن ساق الجد و الاهتمام بالتعليم و التفهيم سيّما الأئمة الأعلام من علماء الإسلام الذين قال فيهم النبي عليه الصلاة و السلام علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل فإنهم سباق غايات و أساطين روايات و دراسات فمنهم من استنبط المسائل من الدلائل فأصل و فرّع و منهم من جمع و صنف فأبدع و منهم من هذب وحرر فأجاد و حقق المباحث فوق ما يراد رحم الله أسلافهم و أيد أخلافهم غير أن أسماء تدويناتهم لم تدون بعد على فصل و باب و لم يرد فيه خبر كتاب , و لا شك أن تكحيل العين بغبار أخبار آثارهم على وجه الاستقصاء لعمري أنه أجدى من تفاريق العصاء إذ العلوم و الكتب كثيرة و الأعمار عزيزة قصيرة و الوقوف على تفاصيلها متعسر بل متعذر و إنما المطلوب ظبط معاقدها و الشعور على مقاصدها و قد ألهمني الله تعالى جمع أشتاتها و فتح عليّ أبواب أسبابها فكتبت جميع ما رأيته في خلال تتبع المؤلفات و تصفح كتب التواريخ و الطبقات و لما تم تسويده في عنفوان الشباب بتيسير الفياض الوهاب أسقطته عن حيز الاعتداد و أسبلت عليه رداء الإبعاد غير أني كلما وجدت شيئا ألحقته إلى أن جاء أجله المقدر في تبييضه و كان أمر الله قدرا مقدورا فشرعت بسبب من الأسباب
و كان ذلك في الكتاب مسطورا و رتبته على الحروف المعجمة كالمغرب و الأساس حذرا من التكرار و الالتباس , و راعيت في حروف الأسماء إلى الثالث و الرابع ترتيبا فكل ماله اسم ذكرته في محله مع مصنفه و تاريخه و متعلقاته و وصفه تفصيلا و تبويبا و ربما أشرت إلى ما روي عن الفحول من الرد و القبول و أوردت أيضا أسماء الشروح و الحواشي لدفع الشبهة و رفع الغواشي مع التصريح بأنه شرح كتاب فلاني و أنه سبق و سيأتي في فصله بناء على أن المتن أصل و الفرع أولى أن يذكر عقيب أصله , و ما لا اسم له ذكرته باعتبار الإضافة إلى الفن أو مصنفه في باب التاء و الدال و الراء و الكاف برعاية الترتيب في حروف المضاف إليه كتاريخ ابن أثير و تفسير ابن جرير و ديوان المتنبي و رسالة ابن زيدون و كتاب سيبويه و أوردت القصائد في القاف و شروح الأسماء الحسنى في الشين و ما ذكرته من كتب الفروع قيدته بمذهب مصنفه على اليقين و ما ليس بعربي قيدته بأنه تركي أو فارسي أو مترجم ليزول به الإبهام و أشرت إلى ما رأيته من الكتب بذكر شيء من أوله للإعلام و هو أعون على تعيين المجهولات و دفع الشبهة و قد كنت عينت بذلك كثيرا من الكتب المشتبهة أما أسماء العلوم فذكرتها باعتبار المضاف إليه فعلم الفقه مثلا في الفاء و ما يليه كما نبهت عليه من سرد أسماء كتبه على الترتيب المعلوم و تلخيص ما في كتب موضوعات العلوم كمفتاح السعادة و رسالة المولى لطفي الشهيد و الفوائد الخاقانية و كتاب شيخ الإسلام الحفيد و ربما ألحقت عليها علوما و فوائد من أمثال تلك الكتب بالعزو إليها و أوردت مباحث الفضلاء و تحريراتهم بذكر مالها و ما عليها و سميته بعد أن أتممته بعون الله و توفيقه كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون . و أهديته إلى معشر أكابر العلماء و زمرة الفحول و الفضلاء و ما قصدت بذلك سوى نفع الخلف و إبقاء ذكر أثر السلف و قد ورد في الأثر عن سيد البشر من ورخ مؤمنا فكأنما أحياه !!؟ , و الله الميسر لكل عسير نعم المبشر و نعم النصير و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم و هو على مقدمة و أبواب و خاتمة .
و تمضي المقدمة بعد هذا مكونة في حد ذاتها رسالة مستقلة تتحدث عن ماهية العلم و قيمته و تقسيم العلوم و مراتب العلم و شرفه و ما يلحق به و ما يجب أن يتصف به المؤلفون , و عن الشروط اللازمة لنجاح البحث العلمي و الالتزامات التي يتطلبها . و المقدمة تنقسم إلى خمسة أبواب و ينقسم كل باب بدوره إلى عدد من الفصول تحمل عناوين مرهقة على الطراز القديم و استطرادات شتى , و ليس ثمة ما يكشف عن أصالة في هذا القسم من كتاب حاجي خليفة لأن المؤلف يعتمد فيه اعتمادا كبيرا على المراجع السابقة له في هذا المضمار , و تتبّع هذه المصادر لا يمثل شيئا عسيرا خاصة و أنها جميعا ترجع إلى العصر السابق لعصر المؤلف مباشرة و تنتمي إلى فئة المراجع في العلوم التي أشرنا إليها من قبل , و يحتل المكانة الأولى من بينها لدى حاجي خليفة كتاب ( مفتاح السعادة ) لطاشكبري زاده الشهير و هو مؤلف عاش قبل ذلك بقرن من الزمان ( توفي عام 968هـ = 1561م)
و ضرب بسهم وافر في جميع فروع العلم ( poly histor ) و الكتاب الآن موجود في متناول أيدي القراء فقد طبع أصله العربي و ترجمته التركية بل و ترجمة جزئية إلى اللغة الألمانية بقلم ريشر Rescher , و قد وضح من فحص هذا المصنف إلى أي مدى اعتمد عليه حاجي خليفة اعتمادا جوهريا لا من حيث المادة فحسب بل و من حيث تصنيفه للعلوم و تبويبه العام , بل إن عرضه في بعض الأحايين لا يمثل سوى إعادة لصياغة الأقسام المقابلة من مصنف طاشكبري زادة .
أما المؤلفون الثلاثة الأخر الذين يشير إليهم في مقدمة كتابه فأولهم المولى لطف الله الطوقاتلي الشهيد ( توفي عام 900هـ = 1494م ) و هو يسبق طاشكبري زادة بخمسين عاما , و ينقسم مؤلفه في العلوم إلى قسمين كبيرين احدهما في علوم العربية و الآخر في علوم الشريعة و هو يعالج في القسم الأول الكلام على واحد و ثلاثين علما و في الثاني على اربع و أربعين علما .
و قريب من عهده عاش شيخ الإسلام الحفيد أحمد بن يحيى التفتازاني ( توفي عام 916هـ = 1510م ) و هو يعالج أيضا العلوم على مجموعتين الشرعية و الفلسفية .
أما أقرب الثلاثة إليه من الناحية الزمنية فهو مؤلف ( الفوائد الخاقانية ) محمد أمين الشرواني الذي أتم كتابه عام 1029هـ = 1614م و أقام تصنيفه على رقم مصطنع هو رقم ثلاثة و خمسين , و هو مجموع حروف اسم أحمد , و المؤلف يصف العلوم على التتابع مبتدئا بالعلوم الشرعية ثم اللغوية فالفلسفية .
و مما لا شك فيه أن حاجي خليفة قد رجع إلى أصحاب الموسوعات الأولى في تصنيف العلوم كالأكفاني مثلا ( توفي عام 749هـ = 1348م ) و لكنه لم يعبأ بالإشارة إلى أسمائهم, غير أنه اتبع منوال طاشكبري زادة في تصنيفه الواسع للعلوم حتى وصل بعددها إلى أكثر من ثلاثمائة , و مرد هذا كما سنرى إلى ذكره أحيانا لعلم واحد تحت عناوين مختلفة و إيراده أحيانا لأقسام مختلفة لعلم واحد على أنها علوم مستقلة , و على الرغم من تقسيمه للعلوم على خمسة مجموعات داخل رسالته العامة فإنه لم يقتصر في الكلام عليها في هذا القسم من كتابه وفقا للخطة التي عرض لها في المقدمة بل عاود الكلام عليها من جديد داخل القسم الأساسي من مصنفه مفردا لكل منها فقرات ليست بالطويلة في ثنايا ملاحظاته الجمة عن أسماء الكتب , و هو في هذا المجال يعيد بوجه عام ما قاله في المقدمة و لكنه يضيف في العادة إلى هذا تقسيم العلم إلى فروعه المختلفة مع ذكر أهم المؤلفات في كل ميدان , هذه الفقرات التي أفردها للكلام على العلوم المختلفة تتفاوت من حيث الحجم و الأهمية تبعا لمكانة كل علم بالنسبة للعصر الذي عاش فيه حاجي خليفة نفسه , و نتيجة لهذا فإن بعض تلك الفقرات قد تتحول إلى رسائل قصيرة قائمة بذاتها بينما لا يوجد تحت العنوان في بعض الحالات سوى مكان شاغر بالأصل .
و مهما كان موقف البحاثة من أصالة هذه الرسالة الفذة في تصنيف العلوم و ما يجب أن يتصف به العلماء فإنه مما لا شك فيه أنها تستحق اهتماما جديا من وجهة النظر التاريخية الأدبية لأنها تقدم لنا خلاصة للخبرة النظرية و العملية التي تجمعت لدى المسلمين في هذا المجال على مدى الفترة التاريخية الطويلة التي تمتد من القرن التاسع إلى القرن السابع عشر , و قد كان هامر موفقا في محاولته التي ترجع إلى ما يقرب من قرن و نصف القرن عندما وضع في عام 1804م ( موسوعة في العلوم الشرعية ) في أكثر من سبعمائة صفحة معتمدا في ذلك اعتمادا أساسيا على سفر حاجي خليفة , و هو يقدم لنا ترجمة مشطرة للرسالة التي تحويها مقدمة حاجي خليفة ضاما إليها الأقسام المختلفة في وصف العلوم التي يحويها صلب الكتاب , و يردف على هذا بضم خاتمة المصنف التي سنقف عندها فيما بعد , و كما هو الحال دائما مع دراسات هذا المستشرق الكبير فإنه لمما يؤسف له حقا أن تنفيذ هذا المشروع الذي يعد في الحقيقة أول مجهود علمي له و الذي بدأه منذ عام 1794م لم يرتفع إلى مستوى الغرض الذي أراده , و ستكون مهمة مشكورة لو فكر أحد الباحثين في أن يعيد الكرة على أسس جديدة تضع في حسابها من جهة تطور العلم منذ أيام هامر و من جهة أخرى المسائل المتعلقة بإخراج متن علمي موثوق به لهذا الأثر الكبير , و منذ عهد ليس بالبعيد (1919م) قدم فيدمان عرضا دقيقا للغاية و لكن يغلب عليه الإيجاز لتصنيف حاجي خليفة للعلوم الطبيعية و الرياضية و ضم إلى ذلك مادة طاشكبري زادة و غيره من المؤلفين في هذا الميدان , غير أن فيدمان حصر نفسه في سرد الأسماء و ترجمة بعض التعريفات و إن لزم الاعتراف بأن مجهوده يمثل خطوة مفيدة في سبيل تفهم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا التصنيف العام .
و يمثل القسم الببليوغرافي صلب الكتاب ففيه يقدم لنا حاجي خليفة وفقا للمنهج الذي عرضه في المقدمة واحدا و خمسمائة و أربعة عشر ألف عنوان ( 14501كتاب ) ؟!!! للمصنفات و العلوم سائرا في هذا على النظام الأبجدي , و هو عدد لا يستهان به بالنسبة لذلك العصر خاصة إذا ما وضعنا في حسابنا أن عدد الكتب و الرسائل التي يسجلها يتجاوز هذا بكثير فهو يسوق تحت رقم واحد أسماء عدد من الشروح و التعليقات بصدد مصنف ما , كما أنه حين يتكلم عن احد العلوم تظهر لديه مجموعة من أسماء المراجع الأساسية في ذلك العلم , و تفوز بنصيب الأسد بطبيعة الحال المصنفات المدونة باللغة العربية , غير أن أهمية المصنفات في مجال الأدب الفارسي و التركي لا تقل عن ذلك كثيرا , و قد رأينا خلال دراستنا هذه ( أي موضوع الكتاب ) كيف أننا اضطررنا إلى الالتجاء إلى مصنف حاجي خليفة بصدد كل أثر تقريبا يمس المسائل الجغرافية , و من الملاحظ أن كتاب فستنفلد الذي طال عليه و الذي يمثل أول محاولة لتقديم بحث جامع في " الأدب الجغرافي لدى العرب "
( 1842م ) لا يمثل في الواقع سوى نقول غير كاملة من كتاب حاجي خليفة .
و من الثابت أن الكتاب يتمتع بنفس القدر من الأهمية بالنسبة لجميع فروع الأدب و العلم العربي الأخرى بحيث لا يوجد فرع منها لم يكن هذا الكتاب هو المرجع الأول فيه , و هذه المكانة الكبرى للمصنف قد تم الاعتراف بها في الأوساط العلمية الأوروبية و لما يمض على وفاة المؤلف بضع عشرات من السنين , فعليه يعتمد كل الشطر الببليوغرافي تقريبا لكتاب " المكتبة الشرقية " Bibliotheque Orientale لدربلو d'Herbelot ( 1625-1695م ) و هو ذلك المرجع الشهير الذي نال صيتا واسعا في القرن الثامن عشر و ظهرت طبعته الأولى عقب وفاة المؤلف و ذلك عام 1697م عني بنشرها و زاد عليها المستشرق الفرنسي غالان A.Galland ( 1646-1715م )
المشهور بترجمته لألف ليلة و ليلة إلى الفرنسية , و لم يلبث أن أعيد طبعه خمس مرات خلال مائة عام ثم طبع بالألمانية عام 1789-1790م .
و قد خلف المستشرق الفرنسي بتي دي لا كروا عند وفاته ( 1713م ) مسودة ترجمة تقع في ثلاثة أجزاء لكتاب حاجي خليفة ترجع إلى الفترة ( 1698-1705م ) أما المتن العربي الكامل للكتاب فقد نشره مع ترجمة لاتينية المستشرق الألماني فليغل ( 1802-1870م ) في الفترة ( 1835- 1858م ) في خمسة أجزاء من المزدوج , و منذ تلك اللحظة أصبح المرجع الذي لا يستغني عنه جميع المشتغلين بدراسة الحضارة الإسلامية و الطبعتان اللتان تلتا طبعة فليغل و هما طبعة بولاق (1274هـ = 1857-1758 ) و استنبول ( 1311هـ = 1893-1894م ) لا تمثلان أية خطوة إلى الأمام عند مقارنتهما بالطبعة الأوروبية و لا يرجع إليهما إلا في حالة افتقاد الأولى , زد على هذا أنهما لا ترتفعان إلى مستواها بأية حال . ثم يقول المترجم في الهامش , ظهرت باستنبول طبعة جديدة في جزأين ( 1941-1943م ) تعتمد على نسخة المؤلف نفسه و ذلك بعناية محمد شرف الدين يالتقايا و رفعت بيلكه الكليسي .
و يجب ألا يغيب عن البال أنه بالنظر للمادة الضخمة المتنوعة التي يحتويها الكتاب بين دفتيه فإن المتن أبعد من أن يعتبر قد ثبت بصورة علمية نهائية إذ أن هذا يتطلب في واقع الأمر دراسة مستقلة لكل حالة على حدة , و نحن بوجه عام إزاء مصنف قيم لا تقف أهميته كما ذكرنا من قبل عند محيط الأدب الجغرافي وحده بل تمتد لتشمل جميع الأدب و الحضارة العربية و لهذا يصبح في مقدورنا أن نفهم ذلك الشعور بالفخر و الزهو الذي ختم به حاجي خليفة مصنفه في تعابير بلاغية رفيعة , و هذه الخاتمة و إن لم تأت بجديد إلا أنها لا تخلو من بعض القيمة سواء من ناحية الأسلوب أو من ناحية رأيه الشخصي في نفسه و هو رأي لا نستطيع القول بأنه قد جاوز فيه الحد .
و بالطبع فقد أولى العلماء الأتراك و العرب هذا الكتاب اهتماما لا يقل بأية حال عن اهتمام العلماء الأوروبيين به و أصبح مرجعا من المراجع الأساسية بالنسبة لهم كذلك , و قد استدرك عليه البعض و زاد عليه و اختصره البعض الآخر أكثر من مرة خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ناهيك عن الحالات التي لا يحصيها العد فيما يتعلق بالإفادة منه في مختلف البحوث و الدراسات .
و يمكن تكوين فكرة عامة عن ذلك من طبعة فليغل التي ضاعف من قيمتها بالنسبة الشرقية أن الناشر استغل بانتظام المسودة المنقحة التي عملها بعد أكثر من قرن من ذلك إبراهيم أفندي عربه جي باشي ( المتوفى 1190هـ = 1776م ) لهذا ينبغي ألا يغيب عن ذهننا أننا نستعمل مصنف حاجي خليفة في رواية عربه جي باشي و أنه من الضروري في حالات معينة أن نميز بين الأصل و الزيادة , و الخاتمة التي وضعها عربه جي باشي تقدم لنا فكرة عن مجهوده كما تبين لنا في ذات الوقت أن حاجي خليفة لم يكن قد أجرى قلمه بتصحيح التفاصيل بشكل نهائي ( توفي مبكرا ) و هو أمر طبيعي فيما يتعلق بالمصنفات الببليوغرافية من هذا الطراز و قد نشر هذه الخاتمة فليغل و تحرير عربه جي باشي للكتاب أهل للثقة و يتصف بالدقة و ذلك وفقا لمفهوم العصر الذي عاش فيه .
و قد سار العلماء الأتراك الذين اهتموا بتاريخ تأليف الكتب على هذا المنهج فذيلوا الكتاب و زادوا عليه زيادات قيمة , فأضاف إليه أحمد طاهر حنيف زادة ( توفي عام 1217هـ = 1802م ) خمسمائة عنوان جديد في مصنفه " آثار نو " أي الآثار الجديدة , تتعلق في معظم الحالات بأزمنة متأخرة و تمس أساسا المصنفات المدونة باللغتين الفارسية و التركية , و ينبغي عند الرجوع إليه أن يميز القارئ بين معطيات حنيف زادة و بين المتن الأصلي لحاجي خليفة , و قد ظلت التذييلات من هذا الضرب تتعاقب إلى أيام المؤلف بالتقريب , ففي منتصف القرن التسع عشر قام بذلك عارف حكمت
( توفي عام 1275هـ = 1858م ) و في بداية القرن العشرين قام به بغدادي إسماعيل باشا ( توفي عام 1338هـ = 1920م ) الذي وصل بالرقم إلى تسعة عشر ألفا و قد طبع مصنفه في جزأين باستنبول ( 1945-1947م ) .



rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف rmadi41 في السبت نوفمبر 01, 2008 4:16 pm


قبل انتهاء حاجي خليفة من الجزء الأول من مصنفه الببليوغرافي بفترة طويلة كان ميله نحو الجغرافيا يتضح بصورة جلية فبدأ في وقت واحد بالتأليف في عدد من المصنفات في ذلك المجال , و هو يعترف أن من الأسباب التي دفعته إلى ذلك كانت حملة كريت لعام 1055هـ = 1645م التي حفزته إلى التهام جميع ما وصل إلى متناول يده في الجغرافيا , أعني باللغات الشرقية المعروفة له , و لما اتسعت معارفه في هذا المجال بدأ في حوالي عام 1058هـ = 1648م في وضع مصنفه الذي اكتسب بالتالي شهرة ليست بالضئيلة و هو " جهاننما " أي وصف العالم و أغلب الظن أن النموذج الأدبي الذي حذا حذوه في هذا الصدد كان كتاب محمد عاشق " مناظر العوالم " المعروف فهو قد اعتمد كثيرا على متنه على الرغم من أن كتابه يختلف اختلافا جوهريا من حيث المنهج عن كتاب محمد عاشق . و قد دون حاجي خليفة مصنفه منذ البداية باللغة التركية , أما الزعم القائل بأنه دونه في الأصل باللغة العربية فيرجع إلى رينو , و على الرغم من أن فستنفلد قد أثبت منذ عهد طويل خطل هذا الزعم إلا أنه ما فتئ يتجدد إلى أيامنا هذه و بتفاصيل مغربة في الخيال كقول بلوشيه مثلا أن جهاننما قد كتب في الأصل باللغة العربية ثم نقله إلى التركية هنغاري من الذي دخلوا حظيرة الإسلام .
و قد بقيت المسودة الأولى للمصنف غير مكتملة رغما من أن المؤلف رفعها إلى السلطان محمد الرابع ( الصياد ) , و حال دون إتمامها اشتغال حاجي خليفة بوضع مؤلفات أخرى ذات طابع جغرافي أيضا و لكنها تنتمي إلى اتجاه آخر يرتبط بتعرفه على الأدب الجغرافي الأوروبي في تلك الآونة , و قد أحس حاجي خليفة من نفسه حاجة ملحة إلى التعرف على هذا الأدب لأسباب معينة أولها رغبته في أن يضم إلى مصنفه الجغرافي بعض الخارطات و كانت وسيلته الوحيدة إلى ذلك هو نسخها من المصنفات الأوروبية و ثانيهما أنه كان يريد الحصول على مادة أكثر وفرة عن العالم الغربي , و هو قد ذكر هذا بوضوح في ترجمته لسيرة حياته و في مقدمته لترجمة كتاب أوروبي لم يلبث أن ضمنه بالتالي المسودة الثانية لجهاننما و بالطبع فقد كان من العسير عليه أن يقتحم هذا الميدان اعتمادا على مجهوده الفردي , غير أنه وفق في حوالي عام 1064هـ = 1654م كما يذكر في سيرته في الحصول على معاون نشط في شخص راهب فرنسي متفقه اعتنق الإسلام و تسمى الشيخ محمد الإخلاصي , فدرس على يده المؤلفات الأوروبية الكبرى في مجال الجغرافيا و الكارتوغرافيا كالأطالس و المؤلفات المختلفة لعلماء ذلك العصر مثل اورتلي Ortelius
( انتورب 1570م ) و لورنزو دانانيا J.L.d'Anania ( البندقية 1582م ) و كلوفريوس Cluverius ( أمستردام 1635م ) و انعكس معظم هذا في المسودة الثانية أو الأوروبية إن صح القول بذلك لكتابه جهاننما و هو لم يكتف بالرجوع إليها كمصادر أو بالنقل عنها فحسب بل نراه يخرج في عام 1064-1065هـ = 1654-1655م بمساعدة محمد الإخلاصي المذكور ترجمة كاملة للأطلس الصغير لجيرارد مركاتور تحت عنوان " لوامع النور في ظلمات أطلس مينور " و قد أمكن للباحثين أن يثبتوا على وجه التحديد أنه اعتمد في ذلك على المسودة المصلحة للأطلس التي نشرها هوندس في ارنهيم عام 1621م و يوجد باستنبول عدد هائل من مخطوطات هذا الأطلس الفريد في نوعه و الذي خرج إلى النور نتيجة لمجهود مشترك لعالمين , بل إن النسخة الأصلية التي ترتفع إلى حاجي خليفة لا تزال موجودة أيضا باستنبول , و فيما عدا هذا فإننا نفتقر بكل أسف إلى أي لون من المعلومات عن هذا المجهود العلمي لحاجي خليفة .
وقد وجدت عدة نسخ لجهاننما منها مخطوطة فيينا , تحوي ملاحظات بقلم مكمل حاجي خليفة المدعو أبو بكر بن بهرام , و قد نشر مؤسس فن الطباعة بتركيا إبراهيم متفرقة عام 1145هـ = 1732م المسودة الثانية لجهاننما و فيها زيادات كبيرة ذكر أنها ليست من عمل حاجي خليفة .
و تتمثل مكانة حاجي خليفة بالنسبة للأدب الجغرافي العربي التركي في أنه أول من حاول الإفادة من نتائج البحوث العلمية الأوروبية الحديثة إلى جانب المصادر الشرقية القديمة و أن ذلك لم يحدث لديه عرضا بل حدث بصورة منظمة , زد على هذا أن اختياره لمادته يتسم بالكثير من التوفيق و يكشف عن فطرة سليمة , و كان هدفه الثابت هو تأليف مدخل جديد من أجل القارئ العادي في القرن السابع عشر يبين فيه النتائج العملية التي سادت في ذلك العصر في فترة سلطنة مراد الرابع و إبراهيم و محمد الرابع ( منتصف القرن السابع عشر ) رحمهم الله جميعا .
و فيما يتعلق بالدولة العثمانية فإن مصنفه يمتاز بالكثير من التفصيل و السعة حتى انه يمكن أن يعد في الحقيقة الوصف الجغرافي الأول و الوحيد للإمبراطورية ( الخلافة ) العثمانية الذي ندين به لقلم مؤلف عثماني , و هو قد سافر كثيرا و شارك في عدد من الحملات العسكرية هذا غير أن منصبه الحكومي قد ساعده كثيرا في الإفادة من الوثائق الرسمية فأصبح جهاننما المصنف الجامع الأول بالنسبة للأجيال التالية و قد ذكرنا من قبل فإن أبا بكر بن بهرام ( توفي عام 1102هـ = 1691م ) هو الذي أكمل المسودة الثانية لجهاننما و ذلك في غضون القرن الذي عاش فيه حاجي خليفة نفسه و جميع الدلائل تشير إلى أنه هو الذي أعطاها صورتها النهائية و إليه تنسب الزيادات العديدة الواردة في المتن . ولم يخل القرن 18 من مكملين و مقلدين لجهاننما فالمصادر تربط به مصنفا لمحمد سعيد شهري زادة ( توفي عام 1178هـ = 1764م ) بعنوان " روضة الأنفس في تاريخ " و تصفه بأنه تتمة لجهاننما و يرجع تاريخ تأليفه إلى 1153هـ = 1740م .
و تحت تأثيره أيضا ظهر مصنف لمحمد بن حسن شيخي بعنوان جهاننماي أوروبا الذي تم تأليفه عام 1145هـ = 1732م و مما يعزز هذا الافتراض أن هذا المؤلف على معرفة جيدة بمؤلفات حاجي خليفة و وضع تذييلا لمصنفه التاريخي " تقويم البلدان " تناول فيه تاريخ الفترة بين عامي 1059هـ = 1649م و 1144هـ = 1731م .
و جميع هذه المحاولات تتضاءل أمام الطبعة الجزئية التي نشرها إبراهيم متفرقة عام 1145هـ = 1732م و التي تعد بحق مجهودا ممتازا بالنسبة لذلك العصر حتى من وجهة النظر التقنية و تذكرنا في هذا بالمطبوعات العربية التي أخرجتها مطبعة المديتشي في القرنين الخامس عشر و السادس عشر , و هذه الطبعة تحتوي على القسم المخصص لآسيا مضافا إليه التكملة التي عملها أبو بكر بن بهرام و الزيادات التي وضعها الناشر نفسه و هي تمثل أكثر من ثلث الكتاب و الطبعة مزودة بخرائط فاخرة بعضها ملون و أثارت إعجاب أوروبا و يبدو من ألفاظ الراهب تودريني الذي عاش في استنبول في أواخر القرن الثامن عشر و عرف بتفقهه في الأدب التركي أن الأتراك كانوا يرون فيها آنذاك خير ما أخرجته مطبعة إبراهيم متفرقة و هي تعد في الوقت الحاضر شيئا نادرا للغاية إلا أنه يوجد منها لحسن الحظ نسخة بمعهدنا الشرقي ( الروسي ) , و هذه الطبعة لم تعد تكفي اليوم لمتطلبات البحث فهي تبرز جانبا فقط من كتاب حاجي خليفة , إذ يجب لمواصلة البحث في هذا المصنف الاستعانة ببقية المادة الموجودة في مخطوطات الكتاب العديدة التي تحفل بها دور المخطوطات باستنبول و التي أبعد من أن تكون فحصت في مجموعها !!!
و من محاولات ترجمة هذا المصنف محاولة فريدة لعالم التركيات الكبير السويدي نوربرج M.Noberg ( 1747-1826م ) الذي بدأ في تنفيذ المشروع منذ عام 1784م ثم نشر جزأين من ترجمته اللاتينية في عام 1818م فيما يقرب من ألف و مائتي صفحة و اقتصرت على المتن الرئيسي للكتاب أي أسقطت المقدمة .
و تمثل أبحاث تيشنر آخر ما وصل إليه العلم في دراسة " جهاننما " الكتاب التركي .
أما الكتاب الرابع لحاجي خليفة الذي يجتذب اهتمامنا من وجهة النظر الجغرافية ( موضوع الكتاب الذي ننقل منه ) فإنه يرتبط بميدان أنجز فيه الأتراك أعمالا مجيدة , أعني ميدان الجغرافيا الملاحية , و قد حزت في نفس حاجي خليفة الهزائم التي مني بها الأسطول العثماني في زمنه فرأى لزاما عليه أن يذكر مواطنيه بماضيهم المجيد فوضع في هذا مصنفا كبيرا أتمه في نوفمبر 1067هـ =1656م بعنوان " تحفة الكبار في أسفار البحار " , و الكتاب أساسه مصنف تاريخي و لكنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالجغرافيا , و ينقسم إلى قسمين الأول يبحث في تاريخ الأسطول القديم و انتصاراته مركزا اهتمامه على الحروب مع البندقية و جنوى و غيرهما من دول النصرانية , و إلى جانب هذا فهو لا يهمل تفصيل الكلام على ما قام به العثمانيون في البحر الأسود و الأحمر و الخليج الفارسي و المحيط الهندي , أما العرض فيرد في صورة تراجم لقادة الأسطول الكبار وفقا للتابع الزمني , و هكذا يمر أمام ناظرينا واحدا تلو الآخر قبودانات البحر العثمانيون ممن سطروا صفحات مجيدة في تاريخ الكفاح البحري و اكتسبت شخصياتهم لونا أسطوريا بالنسبة للأجيال التالية ابتداء من عروج و أخيه خير الدين بربروسا إلى كمال باشا ثم الملاحان العالمان بيري ريس و سيدي علي جلبي و معاصروهما الذين يصغرونهما سنا و خلفوهما في قيادة الأسطول و هو بيالة بشا و طرغود
( تورغوت ) و علي باشا ( قلج علي ) و غيرهم , و بهذا تنكشف أمامنا لوحة حافلة متنوعة تتميز بالكثير من الحيوية و يمتزج فيها وصف الحملات البحرية بالآراء الجغرافية السائدة في ذلك العصر.
أما القسم الثاني من الكتاب فيتكلم عن ديوان البحرية و الأسطول على أيامه و يقدم قائمة بجميع قادة الأسطول مع تحليل لنظامه الإداري و وصف مفصل لأنواع السفن و أساليب القتال البحري , هذا و يبدأ الكتاب بمقدمة موجزة ذات طابع جغرافي عام تعالج الكلام على البحار و سواحل أوروبا مع وصف مفصل تفصيلا وافيا لجمهورية البندقية و الأراضي التابعة لها , و يجب ألا يغيب عنا أن البندقية كانت تحتل آنذاك المكانة الأولى بين الدول التي تقيم لها الدولة العثمانية وزنا خاصا , و يبرهن حاجي خليفة في كتابه هذا على معرفة عريضة بالجغرافيا الملاحية و بالأدب البحري هذا فيما عدا معلوماته الواسعة في كل ما يتصل بهذا الموضوع , و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ذكرى ماضيهم المجيد كانت لا تزال حية في مخيلة جميع الأتراك و أن التعرف على هذا الماضي كان مما يعتز به علماؤهم , و أغلب الظن أن عددا من أهل جيله كانوا معاصرين لأحداث ذلك الماضي المجيد إذ أن جانبا من قصصه قد دون عن طريق المشافهة . و بالطبع كانت المصادر الكتابية لحاجي خليفة حافلة للغاية بالنسبة لموضوعه هذا , و من بينها " غزوات خير الدين باشا " و هي ذكريات أمير البحر التركي و القرصان المشهور ( القرصنة هنا تعني الإغارة و المباغتة لسفن العدو ) التي أملاها على سنان جاوش في عهد السلطان سليمان القانوني .
و من الثابت أيضا أن مادته المتعلقة ببقية أبطال الكتاب قد اعتمدت على مصادر مماثلة في الثقة , و طبعا كثر عدد مخطوطات هذا الكتاب و الترجمات له جدا , و تجدد الاهتمام به في القرن العشرين بفضل مجهود اثنين من ظباط البحرية العثمانية , احدهما صفوت بك ( توفي عام 1332هـ = 1913م ) و الثاني هو محمد شكري ( توفي عام 1328هـ = 1910م ) , و من هذا يتبين أن اهتمام الأتراك بالجغرافيا الملاحية ظل محتفظا بحيويته إلى أيامنا هذه و أن تأثير حاجي خليفة لعب دورا كبيرا في هذا المجال , و كندرمان الذي يعد من خيرة العارفين بتاريخ الشئون البحرية لدى المسلمين يلاحظ بالكثير من الصواب أنه و إن لم يوجد حتى الآن عرض عام لتاريخ الملاحة عند العثمانيين إلا أنه يوجد في متناول أيدينا بحوث تحضيرية جيدة للقيام بمثل هذا العمل , و يمكن أن ننسج على منوال كندرمان فنضيف إلى ما ذكرناه أو لم نذكره من المصنفات التركية ( في صفحات الكتاب ) في هذا الميدان تلك المواد الحافلة التي ازدانت بها صفحات دائرة المعارف الإسلامية و التي ندين بها في معظم الأحوال لقلمي بابنجر و دني Deny .
لقد أدى بنا تحليلنا للمصنفات الأربعة الأساسية لحاجي خليفة و التي تمس الجغرافيا إلى الإقرار بأن جامعه الضخم " جهاننما " و سفره الخاص في محيط الجغرافيا الملاحية " تحفة الكبار في أسفار البحار " و مرشده الببليوغرافي العظيم " كشف الظنون " قد ظل كل منها محتفظا بنفوذ كبير و تأثير فعال على سير تطور الأدب الجغرافي العربي التركي ( رابع هذه الكتب هو " تقويم التواريخ " ) , كما و أن العلم الأوروبي لم يهمل تقديرها حق قدرها و بهذا نستطيع القول و نحن مطمئنون بأن حاجي خليفة يستحق عن جدارة أن يعترف به كأكبر جغرافي ظهر بالشرق الأدنى في القرن السابع عشر .





rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف rmadi41 في السبت نوفمبر 01, 2008 4:18 pm

الرجاء قراءة الموضوع لأنني لخصته شخصيا وتعبت في كتابته , فهو غير منقول ولا منسوخ

rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف Aktay Türkmen في السبت نوفمبر 01, 2008 6:09 pm

لك كل الشكر أخي رمادي على هذه المقالة الرائعة

لك مني كل الحترام والتقدير
أخوك آقطاي

Aktay Türkmen
Baş çavuş

عدد الرسائل : 296
العمر : 34
العائلة التركمانية : oğuz Avşar
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حاجي خليفة ( كاتب جلبي ) عاشق العلم

مُساهمة من طرف rmadi41 في السبت نوفمبر 01, 2008 10:19 pm

شكرا لكم على مروركم الكريم استاذي العزيز

rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى