العلم هاشم اتاسي ح2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العلم هاشم اتاسي ح2

مُساهمة من طرف هيثم رشاد كاخي في الإثنين أغسطس 04, 2008 3:37 pm

كفاحه السياسي:
بدأ نجم الأتاسي يبزغ في عصر العلمنة التركية لما وضعت جمعية الاتحاد والترقي يدها على مجاري الأمور وتحكمت بدولة الخلافة، وشرع العرب يشعرون بالتهميش وغبط الحقوق، وتألفت الجمعيات المناهضة لتتريك الدولة وعلمنتها. في ذلك العصر العصيب -وقد أصبحت الدولة محاطة بأعدائها من كل جانب ونفوذها في أطرافها بدأ ينهار- وقف هاشم بك وقفة الرجل الذي لا يمكن أن يفرط بولائه لخليفة المسلمين وإمامهم الأعظم في الأستانة، ولكنه في الوقت ذاته عرف أن الدولة تتهاوى وتحتضر ولا بد من أن يقوم محلها وجود سياسي منظم قوي ومؤلف من أهل البلاد لا من أعداء الأمة الإسلامية، فانضم الأتاسي إلى أكبر تلك المنظمات العربية المطالبة بحقوق العرب، العربية الفتاة، وأصبح أحد أعضائها البارزين ومن أركانها المؤسسين، وقد ضمت هذه الجمعية أكبر أعيان العرب كالأمير فيصل الهاشمي وإخوته، وزعماء أسر الذوات كآل الجابري وآل مردم بك وآل القوتلي وآل البكري وآل التميمي وآل العظم وآل الدروبي وآل العظمة وآل الكيلاني، وغيرهم من زعماء العرب، وهؤلاء كانوا هم المناضلون ضد التعسف التركي الذي مارسه العلمانيون-المسيطرون آنها على الدولة العثمانية- ثم وقفوا في وجه الإنتداب الفرنسي، وسموا "بالرعيل الأول"، والذي أصبح الأتاسي فيما بعد زعيمه الأول. وقد بدأ الأتاسي يصعد نجمه في جمعية الفتاة فأصبح عضو مجلس الشورى[6]، وكانت الفتاة قد باشرت عملها بسرية ثم خرجت على سطح الأرض بإسم حزب الإستقلال العربي في الشهر الثاني من عام 1919م[7]، فكان الأتاسي أحد أعضاء هذا الحزب. ولما تأسس البرلمان السوري الأول والمسمى "المؤتمر السوري"، والآتي ذكره، أضحى الأتاسي رئيس الكتلة البرلمانية للجمعية والتي أنشأتها الفتاة باسم حزب التقدم[8]. وهنا لا بد لنا من وقفة، فمع أهمية هذه المراكز التي أسندت إلى هاشم بك في نهايات عصر الدولة العثمانية لنزاهته وكفاءته، فإننا لا نراه -كما عرفناه أبدا-في طليعة الصف الأول، مع أولئك الذين كانوا يتخذون القرارت الحاسمة، بل لا نعرف عن مواقفه في خضم أحداث ذلك الزمن إلا اليسير. لقد بقي الأتاسي معتبرا نفسه من مواطني دولة الخلافة الإسلامية ومن رعايا خليفة المسلمين، وظل في قرارة نفسه يأمل لهذه الدولة أن تدوم وترجع إلى سابق قوتها وازدهارها، فكان يأبى أن يقدم على ما قد يندم على فعله في نهاية المطاف. ولكن بعد سقوط الدولة العثمانية وبداية الاحتلال الأوروبي نلحظ أن الأتاسي ظهر على الساحة السياسية ظهورا قويا حتى أصبح زعيم بلاد الشام من دون منازع، وأمسى على رأس أصحاب القرار في كل كبيرة وصغيرة.
وفي عام 1916م قامت الثورة العربية الكبرى، وخرج الأتراك من بلاد الشام، وأعلن الأمير فيصل الأول الهاشمي قيام الحكومة العربية فيها عام 1918[9]. وبعد عودة فيصل من مؤتمر الصلح في 5 آيار عام 1919م ومعرفة زعماء البلاد بقرار الولايات المتحدة بإرسال وفد تحقيق إلى سوريا لتجمع أراء الأهالي بشأن قرار مصيرهم، قرر هؤلاء إجراء الإنتخابات لقيام أول مجلس نيابي لبلاد الشام يكون أعضاؤه مندوبين عن الشعب، ضاماً ممثلين عن سوريا الحالية ولبنان والأردن وفلسطين، ليقوم بإبراز قضية السوريين للعالم، وإظهار رغبتهم في أن يكونوا حاكمي أنفسهم[10]، ففاز الأتاسي بعضوية المجلس، الذي سمي بالمؤتمر السوري، ممثلاً عن مدينة حمص، وكان النائب الآخر لحمص هو وصفي الأتاسي[11]، وبذلك فهما أول نواب الأتاسيين بعد استقلال سوريا عن الدولة العثمانية، وقد سبقهما إلى النيابة العلامة خالد الأتاسي، والد المترجم، في عهد العثمانيين.
وقد انتخب هاشم الأتاسي أيضاً رئيساً للمؤتمر السوري، وهنا تتباين الروايات التاريخية عن تاريخ انتخابه للرئاسة، ففحين يذهب وليد المعلم وسلمى الحفار إلى أن انتخاب الأتاسي جرى في أول جلسة عقدها المؤتمر في 7 حزيران (يونيو) عام 1919م والتي افتتحها الأتاسي بخطبة[12]، يرى بشور أن محمد فوزي باشا العظم، الوجيه الدمشقي، ووالد خالد العظم، أحد رواد السياسة السورية، كان قد انتخب رئيساً للمؤتمر قبل انعقاد مجالسه، ولكنه سرعان ما انسحب، فانتخب الأتاسي في أول جلسة رسمية عقدها المؤتمر، والتي كانت في 19 حزيران عام 1919م[13]. وفي رواية مشابهة يخبر يوسف الحكيم أن أعضاء المؤتمر انتخبوا العظم رئيساً وعبدالرحمن اليوسف نائباً للرئيس قبل انعقاد المؤتمر، ودعا العظم إلى قصره في دمشق من وصلها من الأعضاء، ثم اجتمع هؤلاء مرة أخرى في منزل عطا باشا البكري، ويبدو أن الاتجاه الوطني للنواب لم يتلاءم وأفكار العظم واليوسف، فانسحبا من العمل السياسي، ولما عقدت جلسة المؤتمر الأولى في 3 حزيران رسمياً برئاسة الشيخ رشيد رضا في مقر النادي العربي بدمشق انتخب الأتاسي بالاجماع رئيساً للمؤتمر ومرعي باشا الملاح ويوسف الحكيم نائبي رئيس[14]. أما الريماوي فترى أن العظم انتخب في أول جلسة عقدت في 7 حزيران 1919م، ولكن موقع الرئاسة كان قد شغر بوفاة العظم، فانتخب الأتاسي رئيساً للمؤتمر في اجتماعه في 6 آذار (مارس) عام 1920م[15]، ونحن نرجح ما يراه بشور والحكيم لما سيأتي بعد قليل عن اجتماع الأتاسي وبعض أعضاء المؤتمر في تموز عام 1919م بلجنة الإستفتاء الأمريكية، وهذا يعني أنه كان رئيساً للمؤتمر لأن رئيس المؤتمر هو الممثل الأول لرغبات أعضائه، وقد توصلت الباحثة ماري ألماظ شرستان إلى ذات الاستنتاج وأوردت الروايات المتباينة ثم أتبعتها بنقاش حول الوقائع والقرائن والمنطق السياسي انتهت فيه إلى ترجيح اختيار هاشم الأتاسي رئيساً للمؤتمر لا محمد فوزي العظم[16].
ومهما يكن، فإن الأتاسي كان أول رئيس للمؤتمر استطاع أن يضع شؤون الاستقلال قيد التنفيذ ويعلن عن رغبة الشعب بالوحدة والاستقلال الكامل والحكم الذاتي، ولا تذكر كتب التاريخ رئاسة العظم إلا قليلا، بينما تأتي على ذكر انتخاب الأتاسي للرئاسة كلما مرت على ذكر المؤتمر، وبذلك كان هاشم بك الأتاسي أول رئيس فعلي لمجلس نيابي عربي تشكل بعد جلاء الأتراك. وكان الأتاسي قد عقد جلسة المؤتمر في 8 آذار (مارس) عام 1920م، وافتتحه بتلاوة قرار تنصيب فيصل بن الحسين ملكاً على البلاد[17] وتقرر الإعتراف بسوريا الطبيعية دولة واحدة ومستقلة، وبالعراق دولة مستقلة، وعدم الإعتراف باتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور وأي انتداب[18].
وفي 3 تموز (يوليو) عام 1919م اجتمع رئيس المؤتمر هاشم الأتاسي، ومعه واحد وعشرون نائباً مندوبين عن باقي الأعضاء، بلجنة الإستفتاء الأمريكية (كينج-كراين)، ونقلوا إلى اللجنة قرار المؤتمر والذي نص بمجمله على أن الحكومة السورية هي ملكية لا مركزية ومدنية ونيابية، وأن السوريين ليسوا أقل حظاً في الرقي من الشعوب التي قررت مصيرها بنفسها في البلقان، وأن المساعدة، إن كان لا بد منها، فمن الولايات المتحدة أو بريطانيا بدلاً عن فرنسا بشرط ألا يتعرض هذا لاستقلال البلاد، وأن المطالب الصهيونية في البلاد مرفوضة مع الحفاظ بحقوق الأقليات، وأن البلاد تطالب بالوحدة، وأن السوريين يطالبون بحقوق مماثلة للحقوق المعترف بها للعراق[19].
ثم كلف الأمير فيصل النواب، وقد زادوا عن الثمانين، بتأليف مجلس تأسيسي لوضع دستور البلاد، فانتخب الأتاسي رئيساً لهذا المجلس كذلك، وذلك في 10 آذار عام 1920م، فكان واضع الدستور العربي الأول، وانتخب ابن عمه، وصفي الأتاسي، عضواً في الهيئة الإدارية للمجلس[20]. وباشر أعضاء المؤتمر السوري بعقد الإجتماعات من أجل تحديد مواد الدستور، يشرف عليهم رئيس المجلس والهيئة الإدارية، قد نص هذا الدستور على استقلال سوريا بحدودها الطبيعية، وعلى تنصيب فيصل ملكاً للبلاد، وعلى وراثية الملكية في العائلة الهاشمية[21]. وكان لهاشم الأتاسي فضل كبير في وضع الدستور، إذ يقول في ذلك الوطني الكبير، النائب محمد عزة دروزة، والذي كان قد انتخب سكرتيراً لللجنة الدستورية، في مذكراته: "وأريد أن أنوه بخاصة بهاشم الأتاسي الذي كان هو الآخر يراجع كتباً حقوقية افرنسية وتركية بالإضافة إلى دراساته الأولى، وكانت له آراء ومحاكمات سديدة وصائبة في تركيز مشروع الدستور"[22].
وفي جمادى الآخرة عام 1338 للهجرة الموافق لشهر آذار (مارس) عام 1920م عين الأمير فيصل رضا الركابي رئيساً للوزارة العربية الأولى[23]. وقد كانت هذه الوزارة ضعيفة قريبة من الرضوخ لمطالب الفرنسيين الإنتدابية، فلما رأت ذلك الجماهير السورية هاجت، وقرر المؤتمر حجب ثقته عن الحكومة، فاضطرت الوزارة الركابية إلى الإستقالة. وعهد الملك فيصل برئاسة الوزارة إلى رئيس المؤتمر السوري، هاشم الأتاسي[24]، الذي اضطر للاستقلال من رئاسته للمؤتمر. ومن الملفت للإنتباه أن قليلاً من يعرف أن الأتاسي تولى وزارة الداخلية بالإضافة إلى رئاسة الحكومة، وذلك قبل أن يسلمها لعلاء الدين الدروبي[25]. وإلى هذه الوزارة انتمى أيضاً: يوسف العظمة للحربية، وساطع الحصري للمعارف، وعبدالرحمن الشهبندر للخارجية، ورضا الصلح لرئاسة مجلس شورى الدولة، وفارس الخوري للمالية، ويوسف الحكيم للزراعة والتجارة والأشغال العامة، وكان تشكيل الحكومة هذه في 3 آيار عام 1920م واستمرت حتى 24 تموز عام 1920م[26].
ولما أعلن المؤتمر السوري استقلال البلاد وجه الجنرال غورو إنذاره الشهير للحكومة السورية في 14 تموز عام 1920م، فكانت وزارة الأتاسي، ثاني الوزارات السورية، وزارة حرب، أعلنت في 8 أيار بعد تأليفها في بيان تأييدها لاستقلال سوريا واستعدادها للدفاع عن حقوقها والمطالبة بوحدة سورية بحدودها الطبيعية ورفض طلب الصهاينة جعل فلسطين وطنا لهم وورفض كل مداخلة أجنبية، ودارت رحى معركة ميسلون الشهيرة، في 24 تموز 1920، والتي سقط فيها وزير الدفاع، البطل الكبير يوسف العظمة، شهيداً. واحتل الفرنسيون دمشق فانسحبت حكومة الأتاسي ليخلفها حكومة بقيادة علاء الدين الدروبي[27].
وعزل الملك فيصل وبارح البلاد في 29 من تموز 1920[28] واحتل الفرنسيون مدينة دمشق فعاد الأتاسي إلى حمص. وهناك أصبح من العقول المنظمة للثورة السورية الكبرى التي أعلنت عام 1925، ولما أعلن الوطنيون مقاطعة الإنتخابات التي أراد الفرنسيون إدارتها بقيادة المترجم عام 1925م اعتقل الأتاسي مع رفاقه الوطنيين: السيد وصفي الأتاسي واضع الدستور السوري، وجدي الأعلى السيد مظهر الأتاسي شقيق الرئيس الجليل وكبير أعيان حمص، ورفيق رسلان، ومظهر باشا رسلان، والسيد راغب الجندي، والسيد نورس الجندي، والسيد توفيق الجندي، والزعيم الخالد السيد سعدالله الجابري، والوطني الكبير فارس الخوري، والسيد طاهر الكيالي، وعثمان الشراباتي، ونجيب الريس، وربيع المنقاري، ونفي هؤلاء إلى جزيرة أرواد مدة ثلاثة أشهر عام 1926م (23 كانون الثاني-26 آذار)[29]، وما لبث أن أطلق سراحهم لما رأى الفرنسيون أن في احتجاز زعماء الوطن إثارة للمشاعر الوطنية عند الشعب قد تأتي بالأثار السلبية على سيطرتهم.
ثم قررت السلطة الفرنسية خوض مفاوضات مع الوطنيين، فكان الأتاسي ممثلاً للطرف الوطني مع الزعيم الكبير إبراهيم هنانو[30]. ولما لم تسفر المفاوضات عن ثمرات اجتمع زعماء البلاد ومنهم هاشم الأتاسي، وابراهيم هنانو، وعبد الرحمن الكيالي، وعبد الحميد الكرامي، وعبدالقادر الكيلاني، والأمير سعيد الجزائري، وفاخر الجابري، ومظهر رسلان، وعفيف الصلح، ونجيب البرازي، وإحسان الشريف، وعبدالله اليافي، وعبداللطيف بيسار، وعبدالرحمن بيهم في بيروت في 25 تشرين الأول 1927م[31]، وأسسوا "الكتلة الوطنية"، ومركزها دمشق، كحزب سياسي شعاره إعادة توحيد البلاد وتحقيق استقلالها، وانتخب هاشم كأول رئيسٍ للكتلة[32].




أعضاء الكتلة الوطنية في العشرينات يتوسطهم الرئيس الجليل هاشم الأتاسي


هيثم رشاد كاخي
Çavuş

عدد الرسائل : 115
العائلة التركمانية : oğuz Avşar
تاريخ التسجيل : 23/03/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى