المثلث العربي الفارسي التركي ومشروع المستقبل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المثلث العربي الفارسي التركي ومشروع المستقبل

مُساهمة من طرف lonely wolf في الأحد أكتوبر 04, 2009 4:29 am

المثلث العربي الفارسي التركي ومشروع المستقبل
ميثم الجنابي
العبرة التاريخية ووعي الأمم
إن الفكرة القائلة، بان التاريخ هو عبرة الأمم مازالت تحتوي على حيويتها النظرية والعملية. غير أن التاريخ الحديث بدأ يتجاوز ما فيها من قيمة عملية بسبب "تكنولوجيا السرعة" التي بدأت تقرّب المستقبل وتجعله اقرب إلى "الحاضر".


مع ما يترتب عليه من تقليص درامي أحيانا بين الحاضر والمستقبل. بحيث يجعل من المستقبل حاضرا ومن الحاضر مستقبلا. وهو تداخل كان وما يزال يحكم المسار التاريخي للأمم. انطلاقا من أن حاضر الأمم هو مستقبلها. بمعنى توقف احدهما على الآخر.
وإذا كانت هذه الحصيلة تبدو فيما مضى جزءا من "الخيال العلمي"، فإن السرعة الخارقة التي رافقت وما تزال ترافق الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية قد اختزلت تفاوت الأزمان.
فالمسار الفعلي لتاريخ الأمم لم يعد مجرد ترابط حلقات مترامية للماضي والحاضر والمستقبل، بل وحدتهم الحية في الأفعال المبدعة. ما أدى إلى بلورة إحدى الحقائق المنطقية والمثيرة القائلة، بأن الإبداع هو معيار المستقبل. الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر بحقيقة فكرة العبرة في تاريخ الأمم، ومن ثم توظيفها بما يخدم المستقبل. وليس المقصود بذلك سوى تحويل وجهة النظر السياسية للدولة والنخب صوب المستقبل. فالاهتمام بالعبرة الماضية يعني أن الدولة والأمة لم يتخلصا بعد من ثقل الماضي، مع ما يترتب عليه من ضعف أو فقدان للرؤية الإستراتيجية. وذلك لأن الإستراتيجية تخطيط للمستقبل. مما يفترض بدوره النظر إلى إشكاليات الحاضر بمعايير المستقبل.
ولا يعني ذلك تجاهل الماضي، بقدر ما يعني توظيفه العقلاني، أي نفيه بمشاريع مستقبلية نابعة من إدراك نقدي وعملي لتجارب الماضي. ومن ثم بناء وتأسيس مرجعيات كبرى بهذا الصدد. ولعل تأسيس مرجعية ما أدعوه بهندسة التاريخ والمستقبل في المثلث العربي الفارسي التركي من بين أكثرها أهمية. فهو المثلث الذي يمكنه أن يكون مختبرا لتوظيف تجارب الماضي في خدمة المستقبل. والمقصود بالمثلث العربي الفارسي التركي هو وحدة التاريخ الثقافي، والجغرافيا السياسية، ومشروع المستقبل للعرب والأقوام الفارسية والتركية.
فالتاريخ الثقافي المشترك هو الإرث الاممي العام، أي ما فوق القومي. وفي الوقت نفسه هو احد مصادر الوعي القومي. بمعنى انه يحتوي بقدر واحد على وحدة القومي والأممي. كما أن قيمته المتسامية بالنسبة للجميع تستمد مقوماتها من طبيعته الثقافية العامة. فقد كانت الثقافة الإسلامية نتاجا مشتركا حيا لمختلف شعوبها، وبالأخص العربية والفارسية والتركية. كما انها كانت نتاجا مشتركا ومتراكما في مجرى صيرورة الخلافة وصراعاتها الداخلية. فقد كانت الخلافة الغلاف الروحي الذي وّحد التاريخ الذاتي للعرب والفرس والأتراك. أما الصراع السياسي وتبدل الدول ومراكز الخلافة والحروب العنيفة أحيانا والدرامية فيما بينها، فقد كانت جزءا من تاريخ الخلافة السياسي. ولم يقف هذا التاريخ في كل مجراه المتنوع في يوم ما بالضد من وحدة الهموم الثقافية الكبرى. على العكس، لقد كان يمدها ويسندها بحرارة البيان وصدق الوجدان وقوة البرهان بالبقاء ضمن مرجعياته المتسامية. والسبب يكمن في أن مرجعيات الثقافة الإسلامية الكبرى هي مرجعيات متسامية بسبب طبيعتها الثقافية العامة وهمومها الكونية.
والاستثناءات القليلة صغيرة من حيث القيمة والمعنى والتأثير. بل انها كانت تظهر وتذوب كما لو انها ومضات عابرة للغلو الروحي والعقائدي على ضفاف المجرى العام للثقافة الإسلامية. وفي هذا يكمن سبب بقاء الكلّ الثقافي الإسلامي حيا في جميع مكونات الوعي التاريخي والذاتي للعرب والفرس والأتراك.


التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية
أما الجغرافيا السياسية، فإنها بقيت كما كانت فيما مضى تدور حول المشرق العربي (الهلال الخصيب والجزيرة) وإيران وتركيا. وهي مكونات مترابطة لما قبل التاريخ الإسلامي بوصفها جغرافية مفككة لا تجمعها غير صيرورة الدول وانحلالها. لكنها كانت محكومة بالوحدة الإمبراطورية وبالأخص ما يتعلق منه بالعلاقة العربية (وادي الرافدين) والفارسية. وقد أعطت الخلافة العربية الإسلامية لهذه العلاقة بعدا روحيا ثقافيا يتسامى على أزمان الصراع والخلافات القديمة والمعاصرة أيضا. وفي مجرى هذه الصيرورة الثقافية الروحية جرى الاندماج العضوي للشعوب التركية في عالم الإسلام السياسي والثقافي. ما جعل من أراضي الأتراك (ما وراء النهر، ثم تركستان وأخيرا آسيا الوسطى) كواكب دائرة في أفلاك "دار الإسلام". وتوجت هذه العملية في صعود وانحلال السلطنة العثمانية. والنتيجة هي الرجوع إلى حالة تتسم بقدر هائل من التفكك الجيوسياسي للدول والقوميات. بمعنى إننا نقف أمام دول عديدة مختلفة ومتصارعة ومتناحرة أحيانا بين العرب (الدول العربية) والفرس (إيران وطاجكستان) والأتراك (دول آسيا الوسطى وتركيا). وتعكس هذه الحالة المسار المعقد لانحلال الإمبراطوريات الإسلامية، والصعود الأوروبي، وظاهرة الاستعمار الغربي (الأوروبي ثم الأميركي)، والصعود القومي الحديث. لكنها أبقت على مكونات البؤرة الجيوسياسية للكل الإسلامي في تماس جغرافي سياسي حيوي. من هنا اتسامه أيضا بقدر كبير من الحساسية أحيانا والخلاف أحيانا أخرى، بحيث بلغت في حالات معينة درجة الحرب المدمرة (كما جرت على امتداد عقود بين إيران والعراق) والتوتر الحامي (كما كان لفترة طويلة بين تركيا وسوريا) والتوتر الدفين (بين إيران والعراق، وبينها وبين دول الخليج العربية بشكل عام والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص). ولكل خلاف وحرب وتوتر أسبابه الخاصة. لكنها أسباب جزئية، حالما يجري النظر إليها بمعايير التاريخ الثقافي والجغرافيا السياسية. بمعنى حالما يجري النظر إليها بمعايير البدائل المنطلقة من أهمية وجوهرية التاريخ الثقافي والتماس الجغرافي بالنسبة لتعايش الأمم والمصالح. فهما المكونان الجوهريان الذي يجبران اشد القوى المتصارعة في نهاية المطاف للبحث عن صيغة تبرد حرارة الاحتكاك التاريخي.
فالتجربة التاريخية للأمم تكشف عن أن اشد أنواع الصراع تكمن في مناطق التماس الجغرافي والتاريخي والثقافي. وكلما تكون الأمم متباعدة فيما بينهما كلما تخف إمكانية الخلاف بسبب انعدام التاريخ المشترك بينها. والاستثناء الوحيد هو حالة العالم المعاصر بسبب القدرة الكامنة للتكنولوجيا في تذليل المسافة والزمن. بحيث يمكنها أن تجعل الخلاف والصراع المادي والمعنوي عنيفين في ظل التماس المباشر أو الفرضي. (كما جرى بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة).
وبما ان تاريخ الدولة هو تاريخ القوة والسيطرة، من هنا تراكم شحنات الخلاف الكبرى في مجرى التماس السياسي والقومي للدول. وبالتالي ليس الخلاف العميق أحيانا، والمتغلغل في أعمق أعماق النفس البشرية والوعي السياسي واللاوعي الاجتماعي بين العرب والفرس والأتراك يكمن أولا وقبل كل شيء في عمق التاريخ السياسي والثقافي المشترك.
فقد كان التاريخ العربي والفارسي والتركي على امتداد آلاف السنين يتمثل بصورة نموذجية ما أسميته بالاحتكاك التاريخي الثقافي والقومي للأمم والدول. وكلما يكون التاريخ المشترك بين الأمم أكثر عمقا وأطول زمنا واشد تداخلا كلما يكون الخلاف أوسع وأكثر تغلغلا. وفي الوقت نفسه ليس هذا "الأثر الطارئ" سوى النتاج السيئ الذي عادة ما يرافق ويلازم الفضائل الكبرى القائمة في وحدة التاريخ الثقافي والسياسي المشترك. وليس مصادفة أن تكون كمية ونوعية الخلافات بين العرب والفرس أوسع وأكثر تغلغلا. وهو "الأثر الطارئ" الذي رافق ويرافق عمق، وطول، وسعة التداخل التاريخي الثقافي بينهما. إذ يمكننا القول باستحالة فصم أو تفرقة التاريخ الثقافي والسياسي للعرب والفرس على امتداد ألوف السنين. كما يصعب فصم عرى المستقبل الكامن فيه. وفي هذا يوجد أحد المصادر الكبرى للخلافات الحادة أحيانا بين مكونات هذه المثلث.
لكن إذا كانت الخلافات السابقة جزء من صيرورة الإمبراطوريات وإعادة توطين "المركز السياسي"، فإنها الآن جزء من صيرورة البنية الخاصة للدولة والقومية. من هنا يمكن رؤية سبب الخلافات الأشد حدة بين العالم العربي والإيراني، بسبب التماس الجغرافي الاكبر، ومن ثم التماس الأوسع للمصالح المتنازعة والملازمة للدولة الحديثة والقومية ما لم يتكاملا بمعايير الحقوق والاقتصاد. وهي العملية التي لم تكتمل في كل من العالمين العربي والإيراني. كما تعاني من نواقص جدية في تركيا. من هنا الإثارة الكامنة والحساسية الكامنة في كل منهم تجاه الآخر. وإذا كان التوتر في اغلبه بين إيران والدول العربية، فان السبب يقوم أولا وقبل كل شيء في أن إيران دولة موحدة لكنها متعددة القوميات والأجناس، بينما الدول العربية عادة ما تتصف بالقومية الواحدة كما هو الحال في (الجزيرة وسوريا) أو شبه قومية واحدة (العراق) لكنها مجزأة على مستوى الدولة والنظم السياسية. فهي تعاني من ضعف تكامل وتجانس الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة العصرية على مستوى "الدولة القطرية" وفيما بينها ككل، أي انها لا تشعر ولا تعمل بوصفها كلا قوميا واحدا.
وإذا كانت إيران وتركيا كل منهم على التوالي يمثل من حيث الرغبة والإمكان "العالم الإيراني" ككل و"العالم التركي" ككل، فان الكل العربي دول متنافسة لم تتكامل وحدة الوطني والقومي فيها بمعايير الرؤية الواقعية والإستراتيجية الجاذبة للدول العربية في كل واحد (على مستوى النظام السياسي والقوانين والاقتصاد والتربية والتعليم والمواصلات وغيرها). الأمر الذي جعل وما يزال يجعل من الدولة العربية المعاصرة دولا "قومية" بلا قومية بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي أما قومية أيديولوجية (كما كان الحال في العراق وما يزال في سوريا وليبيا وأمثالهما) أو قومية محلية (مصر وتونس والجزائر والمغرب) أو قومية طائفية غريبة (لبنان) أو قومية محلية تقليدية (دول الخليج العربية) أو تجمع بين المحلية والتقليدية (اليمن).
وهي كلها مظاهر لنزوع قومي لم يكتمل، بسبب عدم تكامل النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي بمعايير الفكرة القومية الحديثة. أما إيران فإنها كانت دولة قومية عنصرية (شاهنشاهية) أصبحت بعد "الثورة الإسلامية" دولة قومية مذهبية (إسلامية). بينما كانت تركيا وما تزال دولة قومية عنصرية أرست الاتاتوركية عناصرها الداخلية ومعالمها الخارجية. استطاعت توحيد الدولة والأمة عبر "فك الارتباط" بالإرث الثقافي الخاص. لكنها تتجه الآن صوب معالمها وجذورها الثقافية الخاصة. وهي في عملية صراع ومن ثم احتمالات متنوعة ومختلفة.
وبغض النظر عن كل هذه الاختلافات الجدية بين مكونات العالم العربي والفارسي والتركي، فان ما يجمعها بهذا الصدد هو أن الفكرة القومية فيها ليست فكرة تلقائية. بعبارة أخرى، إن الفكرة القومية فيها نتاج الأزمة التي استتبعت زمن انحطاط الحضارة (الإسلامية) وسقوط الدولة، والاحتلال الأجنبي (الأوروبي)، والسيطرة الغربية (الأميركية). وهي عملية معقدة كان يصعب عليها إنتاج فكرة إستراتيجية في بداية القرن العشرين (على خلفية الصراع السياسي والمذهبي والتخلف الاجتماعي) قادرة على تمثل مبادئ وقيم التنسيق الشامل بين الأطراف (العربية الفارسية التركية). على العكس لقد كان الخلاف والصراع وفك الارتباط التاريخي أسلوب التكامل الواقعي والعقلاني للفكرة القومية. وهي عملية لم يجر انجازها بصورة تامة بعد مرور قرن من الزمن. لكنها استطاعت أن ترسي أسسها العامة من خلال ظهور وتعايش الدولة العربية (الخليج والعراق وسوريا) والدولة الإيرانية والدولة التركية. وإذا كان القرن العشرون قد تجاوز في مجرى صراعاته الملازمة لصعود الدولة والقومية اغلب المراحل والعقد الدموية، فان القرن الحادي والعشرين يضع خيارات الماضي أمام اختبار مستقبلي كبير. بمعنى انه يضع مهمة إعادة النظر بتاريخ فك الارتباط التاريخي من خلال ما يمكن دعوته بادراك القيمة الإستراتيجية للرجوع إلى النفس بوصفه استمرارا نوعيا جديدا للتكامل الواقعي والعقلاني للدولة والقومية. بعبارة أخرى، أن العالم العربي والفارسي والتركي يقف كل منهم بطريقته الخاصة أمام مهمة الرجوع إلى النفس، بوصفه رجوعا إلى "المثلث التاريخي الثقافي" العربي الفارسي التركي.

(المثلث التاريخي الثقافي) العربي الفارسي التركي ومشروع المستقبل
إن نجاح أي مشروع يفترض تحديد مقدماته وغاياته ووسائله. وهذه بدورها تتوقف على منظومة المرجعيات الكفيلة بتوجيه الطاقة الذاتية صوب تجسيدها الفعلي. فقد كشفت تجربة قرن من التاريخ الحديث للعالم العربي والتركي والفارسي عن أن الانفكاك المحكوم بمقدماته التاريخية قد أدى وظيفته الكبرى فيما يتعلق برسم حدود الدولة وطاقاتها الداخلية. ومع أن وظيفة هذا الانفكاك لم تستنفد طاقاتها بصورة كاملة بعد لكي يتم "التخلي" الكامل عن فكرة الحدود القومية للدولة، إلا ان تأمل المستقبل ضمن شروط وتأثير العولمة المعاصرة، يكشف عما في إعادة النظر بمثلث المستقبل العربي الفارسي التركي من قيمة إضافية كبرى بالنسبة لدعم مشروع الدولة القومية واستتبابها ومن ثم تفعيل طاقاتها الكامنة. بمعنى التخلي عن نفسية وذهنية المنافسة والهيمنة التي ميزت تاريخ الماضي. برغم أن هذه الظاهرة نفسها لم تكن معزولة عما يمكن دعوته بحب الزعامة والهيمنة الفاعلة. وهي عملية متضاربة تعكس من حيث مقوماتها وغاياتها السعي من اجل احتلال موقع اللاعب المركزي والفاعل الاكبر. لكنها كانت وما تزال محكومة بالتماس الجغرافي والثقافي. ومن الممكن العثور على صداها القوي بما في ذلك في الصراع والتنافس الحاد أحيانا بين الكتل العربية والفارسية والتركية للقيام بلعب دور إقليمي في العالم المعاصر بعد أن ضعف كل منها من إمكانية القيام بدور عالمي كما كان الحال في الماضي. ولا تخلو هذه العملية المتناقضة من فضائل في حال توظيفها العقلاني على المدى البعيد، أي في حال توجيه التنافس صوب التنسيق والتكامل. ومن ثم توجيه الطاقة المهلكة للتنافس من اجل التمتع بلعب الدور الإقليمي صوب التكامل في قوة قادرة على المدى البعيد على لعب دور عالمي. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال تحول طاقة التنافس المهلكة صوب توحيد القوى والطاقات الكامنة في هذا المثلث. وهو تحول ومثلث يمتلكان مقوماتهما الفعلية في وحدة الإرث الروحي الذي صنعه التاريخ الثقافي الإسلامي، بوصفه احدى المرجعيات الكبرى لهذا المشروع.
فقد أدى تداخل وتتابع الإمبراطوريات العربية والفارسية والتركية التي توجت في مرحلة الإسلام بوحدة الكلّ الثقافي، إلى صنع إحدى أهم المنظومات الثقافية الفاعلة حتى الآن في الوعي القومي بوصفها مرجعيات ثقافية روحية كبرى. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الإقرار بوجود مثلث تاريخي ثقافي عربي - فارسي - تركي على امتداد قرون عديدة. وهو مثلث تاريخي ثقافي مقترن ايضا بتماس الجغرافيا السياسية. وبغض النظر عن ان هذا الاحتمال ليس حتميا، لكنه الأكثر واقعية بسبب ما فيه من وحدة التاريخ المشترك، ووحدة الجغرافيا، ووحدة المصالح حالما يجري ربطها برؤية مستقبلية. وليس المقصود بالرؤية المستقبلية سوى تلك التي تستند وتنطلق من إدراك قيمة التطور الحر والعقلاني والمستقل لكل من أطراف المثلث وفي وحدتهم. وهي الحالة التي يمكن تأمل ماضيها الدموي وحالتها الاقتصادية والسياسية والحقوقية والثقافية في مشروع "الاتحاد الأوروبي". فهو يشترك مع حالة المثلث العربي التركي الفارسي بتنوع القوميات ووحدة التراث والتماس الجغرافي. ومن ثم وحدة المصالح. فقد أوصلت التجارب القومية المتصارعة الدول الأوروبية إلى حالة الانكفاء الذاتي ثم الانفتاح بوصفه مصدر القوة الإضافية للكل بأجزائه. وهي عملية معقدة ومتناقضة لكنها مستقبلية.
وبالتالي يمكن النظر إلى المشروع الأوروبي عن "المتوسطية" بوصفه شكلا من إشكال استباق الوحدة الضرورية للمثلث العربي والفارسي التركي. بمعنى محاولته الاستفراد بتركيا من خلال وضعها في حال "الانتظار القلق" وإخراجها من مشروع المتوسطية، والعمل من اجل "ضم الدول العربية القائمة على حوض البحر المتوسط، ومن ثم عزل دول الخليج العربية والعراق عنه.
إضافة إلى محاصرة إيران. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إستراتيجية، قد لا تكون محكومة بخبائث "الرؤية الشيطانية" لكنها تؤدي هذا الدور بفعل سلوكها العملي بمعايير السياسة النفعية وصراع المصالح. بعبارة إننا نقف أمام إحدى الصيغ الخطرة لتنافس الأمم والمصالح، بالشكل الذي يستعيد ماضي النزوع الكولونيالي للغرب من خلال توظيف التجزئة المستمرة للعالم العربي التركي الفارسي (الإيراني)، أو على الأقل استباق إمكانية توحيده من خلال جعل أطرافه أضلاعا سائبة وليس أضلاعا مكونة لمثلث المستقبل.


هندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الفارسي التركي
إن الرؤية الإستراتيجية تفترض الانطلاق من تأمل العبرة التاريخية والعمل بمعايير المستقبل. وفي الحالة المعنية ليس المقصود بهندسة المستقبل في مشروع المثلث العربي الفارسي التركي سوى العمل من اجل رسم مرجعيات ومبادئ وقواعد التنسيق المشترك والتوحيد اللاحق. لاسيما وانه مشروع له تاريخه الذاتي في تاريخ الإمبراطوريات الإسلامية (الخلافة) وما فيها من صيغ متنوعة ترتقي إلى مصاف المنظومات الفكرية والأخلاقية والروحية والفقهية الرابطة لوحدة الأقوام والبشر. وهي منظومات ساهم في بلورتها التاريخي نشاط متنوع ومتداخل، لا يخلو من مراحل درامية وعقد عنيفة، المكون العربي والفارسي والتركي. وهي مكونات تراجعت إلى ثلاثة أضلاع مفككة من خلال انحسارها في الدولة التركية والدولة الإيرانية والدولة السورية والعراقية ودول الخليج العربية، بوصفها دول التماس الجغرافي السياسي. رغم انها تحتوي على أبعاد عالمية (افريقية وآسيوية وما وراء البحار). وإذا كانت هذه الأبعاد تبدو أشبه بكويكب كوني (asteroid) قادر على إثارة زوبعة الموت، فان القوة القادرة على تحويله من "كتلة الفوضى" إلى قوة النظام المقبل تقوم فيما إذا كان بالإمكان توجيهه صوب هندسة المستقبل بمعايير الحداثة والتقدم الاجتماعي. وهي هندسة يستحيل تحقيقها دون التخطيط لترشيد القوى الذاتية صوب التكامل. فقد حلت الأمم الأوروبية، على سبيل المثال فوضاها الداخلية في مجرى عملية معقدة ودامية وتتصف أيضا بأقدار متنوعة وهائلة من المعاناة الإنسانية عبر إرساء منظومة التنمية الدائمة والشاملة وتصدير الفائض البشري (إلى الخارج).
أما العالم الإسلامي، وفي الحالة المعنية مكونات المثلث العربي الفارسي التركي، فانه يعمل ضمن شروط قاسية. وقد يكون أقساها هو تمتعه بإمكانات هائلة وضغوط خارجية فاعلية، تعمل من اجل ألا تتكامل هذه الأضلاع في مثلث متناسق. وهو مثلث قد لا يكون متساوي الأضلاع من حيث مقدماته الأولية والحالية، لكنه متساو من حيث أهميته بالنسبة للمستقبل. وذلك لان أية محاولة للإبقاء على أضلاعه المفككة أو جعلها مختلفة الأبعاد لا تؤدي في أفضل الأحوال إلا إلى "مثلث" يصعب عليه الاندماج السليم في هندسة العالم المعاصر. ومن ثم يفقده، كما افقده في الماضي القريب إمكانية التحصن الذاتي. مما يفترض بدوره القيام بما يلي:
-الخروج من مأزق المصالح الضيقة
-الانطلاق من أن المكون التاريخي الثقافي هو بؤرة الاحتمال العقلاني لهندسة المستقبل.
-إن هندسة المستقبل بحاجة إلى رؤية نقدية ايجابية قادرة على تفعيل الأبعاد الجيوسياسية للتاريخ والثقافة المشتركة.
-هندسة الذهنية السياسية للدولة، والذهنية الثقافية للنخبة.
هندسة الرؤية الستراتيجية من خلال بلورة منظومة مستقبلية متكاملة لها مبادئها الكبرى في السياسة والاقتصاد والثقافة.

lonely wolf
Binbaşı

عدد الرسائل : 1156
العمر : 33
العائلة التركمانية : oğuz Salur
تاريخ التسجيل : 15/03/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى