شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

مُساهمة من طرف Robert De Niro في السبت سبتمبر 19, 2009 5:20 am

فاضل ناصر كركوكلي 


( 1 ) إستهلال 

المعروف للمتابعين في الشأن الآذربيجاني بشقّيه ( الشمالي و الجنوبي ) بأنه شهدَ أكبر المصائب السياسية والإجتماعية بعد إبرام إتفاقيتي ( توركمن چاي ) و ( كولستان ) في أعوام ( ۱۸۱۳ ) و ( ۱۸۲۸ ) حيث جرى تقسيم آذربيجان الكبرى والموَّحدة تأريخياً بين روسيا و إيران بدون الرجوع الى رأي الشعب الآذربيجاني المغلوب على أمره في تلك الحقبة من التأريخ ، وقد بدأت منذ ذلك التأريخ تجري محاولات دائبة في إيران على تفريس آذربيجان الجنوبي بعد فشل المشروع السوفييتي في ترويس آذربيجان الشمالي و تحطيم خصوصياته القومية بإسم .. الأممية ..!! حيث أعلن آذربيجان الشمالي إستقلاله القومي بعد أنهار ٍ من الدماء في حين ظل القسم الاكبر من الشعب الآذربيجاني ومن التراب الآذربيجاني العريق متوزعا ًفي مساحات ٍ جغرافية وبشرية واسعة تحتلُّ فيها مدينة ُ ( تبريز ) عصبا ً رئيسيا ً و مركزا ً للإشعاع الحضاري والثقافي والتأريخي تحت إستبداد حكام الفرس منذ بداية القرن الماضي والى الآن ، أو بالاحرى منذ عام ( ۱۹۲۰ ) الذي أنشبت فيه النزعةُ الفارسية المتعصبة أظفارها وأنيابها في جسد ِ آذربيجان الجنوبي فأقفلت الحدود و شدّدت على منع ِ التنقل بين أبناء الشعب الواحد ، حيث قاموا بتوظيف جميع الشعارات والأقنعة السياسية مع إستخدام ِ جميع وسائل الظلم والتنكيل والسجون والقتل الجماعي والتشريد القسري ضد الشعب الآذربيجاني الجنوبي لإجل إرضاخهم و تركيعهم وتفريسهم وتذويبهم في بوتقة إيران الحالي ، وقد جابهَ الشعبُ الآذربيجاني هذه الممارسات اللاإنسانية بمزيد ٍ من الصمود الأسطوري إستجابةً للتحدي التأريخي وحفاظاً على خصوصياته القومية أمام تلك المحاولات العقيمة والعبثية ، حيث قدّم هذا الشعب أعزَّ أبنائه قرابينا ً على مذبح الإنعتاق و أيقظ في نفوسهم الأبية روح َ الشهادة و طريق إعتلاء المشانق و ظلمات السجون ، هذا ما كان حصادُ الشعب في القرن الماضي في حين نشهدُ هذه الايام ضراوة الإعتقالات و تكميم الأفواه والإغتيالات والمحاكم الصورية للقادة الآذربيجانيين و حرمان الشعب من أبسط حقوقه القانونية والمدنية كما تقدمه ُ لنا مراكزُ رصد حقوق الإنسان في إيران بالوثائق والتواريخ و بالاخص بعد أن دشّن الشعبُ الإنتفاضةَ المليونية الشهيرة في شوارع مدينة ( تبريز ) إثر تلقّيه إهانةً قومية بشعة من خلال صورة كاريكاتورية مبتذلة في كبريات صحف تهران الرسمية ...

إن شعب آذربيجان الجنوبي كان ، ولا زال ، منبعاً للقادة الوطنيين و القوميين الشهداء إبتداءً من ( ستار خان ، باقر خان ، الشيخ خياباني ، و شهداء أول جمهورية مستقلة في إيران أو ما تسمى بشهداء حركة آذار عام ( ۱۹٤٦ )( بقيادة سيد جعفر پيشه وري ) والذين قاموا بإرساءِ تقاليدٍ ثورية حافلة بالدروس والتجارب المريرة التي أصبحت منهاجا ً سياسياً و تحرريا ً أمام القادة الجدد ، بالإضافة الى إضطلاع هذا الشعب بتقديم أضخم العقول الإنسانية النيرة والأفكار الفلسفية والتأريخية والموسيقية الأصيلة والبحوث الفولكلورية الحاشدة بالسِير والملاحم والحكايات الشعبية بالإضافة الى إنجابه الكثير من الشعراء والأدباء المبدعين الذين لا تحصرهم هذه المقدمة المقتضبة ... بل يكفي هنا أن نشير بأن شعب آذربيجان الجنوبي كان من أوائل الذين دشنوا التعليم في إيران 
( مدرسة حسن رشدية ) ومن أوائل الذين جلبوا المطابع و نضّدوا الحروف وأجروا الإنتخابات البرلمانية الحرّة بالإضافة الى قيامهم بإفتتاح أول دار ٍ للأوپرا في تبريز وهي مقفلة من قبل حكام طهران عن سابق إصرار ٍ و تصميم منذ عشرات السنين ، ناهيك عن إفتتاح المتاحف والدراسات الأدبية و الفنية الرسمية ...



إنني هنا ، و بحق ، لا أدري إطلاقا ً بإسم أيّ دين ٍ يتحدث حكام إيران وهم يسلخون كلَّ يوم ٍ من كيان ِ ووجود ِ ثلاثين مليوناً من الشعب الآذربيجاني أهمَّ العناصر الإنسانية والحضارية في قِوام حياة الشعب هناك وأعني بها الإنتماء التأريخي واللغوي والثقافي المشروع الذي كرّمَ اللهُ به شعوبَ الأرض قاطبةً كحقٍّ طبيعي مثل الماء و الهواء ، وبأي حقٍّ قانونيّ شرعي و طبيعيٍّ فقهيٍّ ووضعيٍّ يَقدِم هؤلاء الحكام على فرض ِ و تسخير اللغة الفارسية ، لغة الأقلية الإيرانية ، عنوةً على الشعب الآذربيجاني في جميع القنوات الإعلامية والثقافية والتعليمية والسياسية .. ؟؟؟ 

لقد أصبح أمراً طبيعياً أن يكون من نتائج هذه السياسات المركزية المستبدّة والتوتاليتارية الشوفينية والمذهبية ظهورَ مركزين للإستقطاب الفكري والثقافي ، كما كانا سائدين منذ عصر ( أتروباتان ) و حتى سلالة ( قاچار ) ، يتمثلان بوضوح في قطبين متضادين و متنافرين يكتسبان يوماً بعد يوم ملامحاً و أبعاداً سياسية و إجتماعية خطيرة يصبُّ أحدُهما للعقلية الفارسية وتجلياتها الآسيوية الشديدةِ التركيز والتلوّن تحت أي قناعٍ كان في حين ينحو الآخر نحو العقلنة والتحضر في ملامحه الآذربيجانية الداعية الى الحرية وإحقاق الحق الطبيعي للشعب كما لمستُ ذلك بجلاء في زيارتي الى طهران و تبريز معاً ... 
فلا يحسمُ هذا الصراع السياسي والثقافي و التأريخي بين هاتين القوتين ، أو بالأحرى بين هذين القطبين الا الزمن ... 

أسوق هذا الإستهلال لكي أصل الى دور المرأة الآذربيجانية أدبياً و ثقافياً في إيران في ظل هذه الاوضاع المتخلفة والمركبة إجتماعياً و ثقافياً وفي ظل قائمة الممنوعات الهائلة التي طالت أهم أركان الابداع الثقافي تأريخياً في آذربيجان الجنوبي والتي شملت اللغة والمدارس والمعاهد والجامعات باللغة التركية إضافة الى منع حرية النشر و إصدار الصحف اليومية والمجلات و الكتب بتلك اللغة بدون رقيب مركزي .. ..!! 
إذن ... ما هي العناصر الأدبية واللغوية القوية التي إستقت منها المرأة في آذربيجان الجنوبي لتحافظ على خصوصياتها الابداعية ثقافياً وأدبيا ... ؟؟ 

بصراحة ، هناك عوامل عديدة عند دارسي الأدب والإبداع الشعري والثقافي في آذربيجان يمكن إيراد أهمها بإيجازٍ وتركيز شديدين ... 

( 1 ) ـ خصوصية دور المرأة الموغلة في القدم والتي إنعكس تميّزها و طابعها الاجتماعي المتحرر في الملحمة القومية ( ده ده قورقوت ) التركية و بالأخص في حكاياتها الأقدم غلى اللبوس الاسلامي وأعني بها حكاية ( بامسىٌ بيئره ك ) و ( دللّي دومرول ) و ( قانلىٌ قوجا أوغلو قان تورالىٌ ) وهي حكايات لازال الشعب الاذربيجاني يستلهم منها الكثير عن دور المرأة في الحياة و مساواتها الابداعية والحياتية مع الرجل ... !!

( 2 ) - ملامح المرأة الآذربيجانية في قصائد الشعراء الجوالون ( العشاق ) و أنماطها المتنوعة من الأوزان و القوافي التي تناغِمُ روح الشعر الشعبي ونبضه في أعماق الريف و تقاربُ في الكثير من تجلياتها في نوعٍ جناسي يسمى ( البياتيلار ) مع ( الخويرات ) التركماني في العراق ، وقد ساهمت المرأة الآذربيجانية في هذا النمط الشعري و الغنائي كشاعرات و مغنيات ( عاشقات ) ودأبت على إغناءِ هذا النمط الشعبي من الشعر بأسماء لامعة ، وكنَّ ، ولازلن ، يحفظن مئاتَ الابيات عن ظهر القلب من هذا النمط الشعري بالإضافة الى ما تذكِرها الحكاياتُ الشعبية والملاحم الحماسية عن سمات المرأة الآذربيجانية التي تجسدت في الشخصيات النسوية ، ( زنگي خانم ) في ملحمة ( شاه إسماعيل ) و 
( نيگار خانم ) في ملحمة ( گورأوغلو ) و ( هاجر خانم ) في ملحمة ( قاجاق بني ) ، إذ كانت المرأة الآذربيجانية في كل هذه الحكايات مرآتاً للعادات والإعتقادات الاجتماعية والفولكلورية و مثالاً للخُلق القويم و للعفّةِ والشهامة والتضحية و نموذجاً لروح الثقافة البيئيّة و للبُنية الداخلية الأخلاقية المُحكمة و الحرّة حتى في إختيارِ شريكةِ حياتِها وفي إمتلاكها نفس الحقوق في الإرث والمُلكية وفي الواجبات الحياتية إسوةً بالرجل ، بالإضافة الى فروسيتِها كمقاتلة في الحروب جنباً الى جنب مع الأبطال المحاربين ...

( 3 ) - دور الشعر والأدب النسوي في القرن التاسع عشر الذي حلقت في سمائه النجوم الأدبية في آذربيجان ( الشمالي ) ممثلةً بالشاعرة الرومانسية ( حيران خانم ) والشاعرة الشعبية ( عاشق پري ) بالإضافة الى الأدبية و الشاعرة المبدعة ( خورشيد بانو ناتوان خانم ) هذه المؤثرات ، مع عوامل اُخرى ، أثرت عميقاً على الأدب النسوي في آذربيجان الجنوبي ، على الرغم من ظروف الحرمان و القمع و مصادرة حرية التعبير الحرّ باللغة الأم ، فظهرت شخصيات أدبية نسوية بمختلف مدارس الإبداع الشعري و الأدبي والتي حطّمت الى الأبد قيودَ المنع على دورها الادبي و اللغوي بشكلٍ محيّرٍ حقاً ... فأتى ضمن هذا السياق أهمُ الشاعرات و الادبيات ...


( 1 ) - الشاعرة والادبية ( مدينه خانم گلگون ) الشاعرة المنتخبة في هذا المقال ، وهي من مدينة ( تبريز ) التي اضطرّت الى العيش في المنفى بعيداً عنها مع زوجها الأديب والشاعر و الصحفي اللامع ( بالاش آذرأوغلو ) 

( 2 ) - الشاعرة ( حكيمة خانم بلوري ) من مدينة زنجان و التي عاشت طوال حياتها في المنفى القسري .. 

( 3 ) - الشاعرة ( حميده خانم رئيس زاده ) التي إشتهرت بلقبها الشعري ( سَحر ) و بديوانها ( الزُرق ) و ( الأغنية الخضراء ) و ( النظرة الشهرية ) وقد ولدت في مدينة أردبيل ) )

( 4 ) - الشاعرة والأديبة ( ثمينة خانم باغچه بان ) التي إشتهرت بكتابها الموسوم 
( تعالوا لنتحدث باللغةِ التركية ) ....!! 

( 5 ) - الشاعرة والأدبية و الصحفية ( زهرة خانم وفائي ) من مدينة ( تبريز ) 

( 6 ) - الأديبة و الصحفية واللغوية ( نوشين خانم موسوي ) التي إضطرت لفترة طويلة الى الكتابةِ و التخاطبِ مع عائلتها في البيت باللغة الفارسية ولكنها الآن أصبحت من أعلام اللغة التركية ، وهي من مواليد ( طهران ) 

( 7 ) - الشاعرة ( نيگار خانم خياوي ) ولدت في ( مشكين شهر ) و إشتهرت بديوانها شعري أنا ) )

الشاعرة ( فريبا خانم إبراهيمي ) التي إشتهرت بلقبها الشعري ( آفاق ) 8 ) - ) 

( 9 ) - الشاعرة ( شريفة خانم جعفري ) المشهورة بلقبها الشعري ( ده نيز ) و بديوانَيها ( أنا أبنةُ أبي ) و ( محبتي ) وهي من مدينة زنجان .. 

( 10 ) - الشاعرة ( عهديّة خانم وحيدي لجين ) المشهورة بلقبها الشعري ( تورك قيزىٌ ) و بديوانها الموسوم ( عاتبتكَ عُمراً ) وهي من مدينة زنجان ..

( 11 ) - بالإضافة الى الكثير من الأدبيات اللواتي أتابعُ إبداعهن الأدبي في المساحة الضيقة للحرية الادبية المحصورة تحت عيون الرقباء في مجلة ( وارليق ) وجريدة ( أميد زنجان ) منهن ( دلبر خانم إبراهيم پور ) من مجلة ( وارليق ) و ( سوسن خانم نواده ) و ( سولماز خانم فهمي ) و ( فاطمة خانم محمد زاده ) من جريدة ( أُميد زنجان ) مع الأدبية ( نازخند خانم صبحي ) ....


( 2 ) إستذكارات الشاعر – بالاش آذر أوغلو –


... كان يوماً من أيام ِ أعياد الربيع تماماً حين وطأ الربيعُ أول َ أيامنا من العام الجديد , إذ كانت أنفاسُه البكر تذوب بمحبة ٍ صافية في الهواء ِ والأرض ِ وفي حركات ِ الطيور وكانت الأبخرة ُ تتصاعد ُ من التراب ِ و الاشجار ِ الندّية بتراخ ٍ و بطء ... كان كل ُّ شيء من حولنا يصدح ُ بجذل ....!!

ولكن ... ماذا في وسعِ المرء أن يفعلَ في تضادات هذه الحياة المحيّرة ..؟؟ .. ففي هذا اليوم بالذات كان الترابُ المبلول يتكوّم فوق قبرٍ جديد جلست حولَه أشباحُ ثلاث أنفارٍ صامتين مطأطيء الرؤوس غارقين في حزن ٍ أخرس ، كان أحدُهم عجوزاً طاعناً في السن ..!! 

باقةٌ من الورود البرّية ، و عشرةُ شموع بعددِ أفراد عائلة المدفونة ، تحترقُ بهسيسٍ مسموع فوق القبر ، شمعةٌ لكلِّ حظٍّ من حظوظِ الأحياء الباقين تذوب بصمتٍ صارخ ... 
وكانت الشمعةُ المحترقة فوق رأسِ المرحومة بالضبط والتي أشعلها العجوزُ التَعس تحترقُ بلهبٍ مضيء مثل أيامهِ الحزينةِ الباقيةِ ، كان ذوبانُ تلك الشمعة بالذات يحفرُ في صدرهِ و قلبهِ سيلاً من ألمٍ ممضٍّ ... 
كانت الشمعةُ تبكي ... والعجوزُ يبكي ... 
إحترقي ... إحترقي ...!! 
مثل شعلةِ الزمن التي أحرقت قلبي و روحي ... 
تمتمَ العجوز مع نفسه بشفاهٍ مرتجفة فلم يسمعه أحدٌ سوى الشمعةُ الذائبة و الجسدُ العزيز المدفون في أديمِ الارض ..

كانت تمتماتُ العجوز المتقطعةِ و المخنوقة تحملُها النسماتُ العليلة بعيداً من تلافيفِ الصمت المخيّم فوق المقبرة ، وكان حذراً بأن لا يسمع آهاتَه المكتومة الرجلان الشابان اللذان كانا جاثمَين معه حول القبر ، وكان العجوز في تلك اللحظة يكبتُ في أعماقه صرخةًَ عظيمة كادت أن تنطلقَ من قلبه المكلوم ولكنه خنقَها في صدره بقوة ، إذ بقي حتى النهاية حريصاً بأن لا تصدر عنه أيةُ نأمةٍ تزيدُ من أحزانِ الشابين اللذين بدأت غمامةُ البكاء تهيمُ فوق أساريرِ وجهَيهما ، فتماسكَ بصلابة متذكراً بأن الرياحَ العاتية تقلعُ الأشجارَ المعمّرة بكلِّ سهولةٍ ويُسر ...

يا إلهي ... لماذا يصرُّ هذا العجوز على تحمّل الألم وحده ويبخلُ على الأخرين مشاركتَهم معه في مُصابه .. ؟؟ 

كانت الشموعُ المبثوثة حولَ باقة ِ الورود قد إحترقت الى منتصفها حين إنطفأت شمعةُ العجوز بأزّةٍ مسموعة فإنتفض العجوز و بدأ يستعيدُ في خيالهِ كلَّ شيء بوضوح و كأن صوتَ إنطفاءِ الشمعة قد بَرقَ من قلبه إذ كان صوتاً خافتاً يشبه همسَ المرحومة التي كانت تنتظرُ في الربيع بعيونٍ متلهفة عودةَ طيور الكراكي حتى تستعيدَ و تتلو من جديد بفرحٍ غامر أحيَّ قصائدها الى نفسِها ... ( ها قد عدتّم أيتها الطيور المهاجرة ) ...

فبقيت تلك العيون حتى هذه اللحظة تنتظرُ عودَةَ الطيور المهاجرة الى دفءِِ أعشاشها ... !!! 

أخفى العجوزُ طرفَ وجهه و أسبلَ أجفانَه المبللة بقوة فسالت من مآقيه قطرة ُ دمعةٍ إنحدرت على طولِ أخاديدِ خدّه فوق تُرابِ القبر ..

آه .. لو كان وحيداً لتهالكَ فوق القبرِ و أطلقَ عنانَ بكائه المكتوم وإنتحبَ صارخاً بكل ما أوتيَ من قوة ، أما الآن فإن رفات جفونه المرتعشة تستدرُّ دموعَه المغبّشة لتحترق بكل هدوءٍ و صمت فوق ملامحه المهتزّة .. وفجأة ، توجّسَ العجوز بأن الظلامَ بدأ يحيطُ به فرفع عينيه الواهنتين نحو السماء فأبصرَ المساءَ الكئيب وهو ينحدرُ خلف جبال ( شوماني ) ساحباً إشعاعاتَ شمس الربيع المحتضرة وراءَ الافق القاني في حين كانت ظلالُ الشابين الراكعين بجانب القبر قد إستطالت فوق القبور القريبة، فكوّر العجوزُ راحتيه وأنهى قراءةَ الفاتحة ضاغطاً على أجفانه ليمسحَ آثارَ الدموع خلسةً ، ثم إستقامَ من مكانه بصعوبة قائلاً بنبرةٍ مشوبةٍ بغَصّة مختنقة وهو ينأى عن القبر بتؤدة .. 
..!! ـ لنذهب 

فتبعَه الشابان بكلِّ هدوءٍ ووقار وهو ينقلُ خطواتَه الثقيلة مباعداً ساقَيهِ يجرُّ رجلَه خلفه جراً وكأنه يأبى مغادرة المقبرة التي بَدت موحشة الى حدٍّ كبير بعد أن غادرها الناسُ الذين تركوا أعزّائهم تحت التراب ، و كانت خطواتُ العجوز وئيدةً و ظلالُه مترنّحة بين شواهدِ القبور ... 

ـ أيها الترابُ المتخم ... ألا يكفي ... لقد أخذتَ مني شغافَ قلبي ... إنني الآن أشهدُ على إنقطاعِ آخر خيطٍ من أوتارِ أملي في الحياة ، فافتحي ذراعيكِ أيتها الأرضُ الأزلية إنني على أهبةِ الاستعدادِ لأغفو عميقاً في ظلماتِ أحضانكِ الى الأبد

فتذكَّر العجوز في تلك اللحظة قولَ ( نظامي ) الحكيم عن الانسان الذي تلدهُ أمٌّ تهبُه الحياةَ من روحِها و دمِها و تسحبُه أمٌّ أخرى الى أحضانِها الى الآبد ، وبين هاتين الولادتين أيامٌ قصيرة تترى كالسرابِ من الآلام و الكمدِ .. 

بصراحة ، لم يكن العجوز يائساً من الحياة في كلِّ عمره المديد مثل تلك اللحظة التي كانت تقشطُ أيامَه الماضية كلها بمعاناةٍ مبرحة ، لقد كان قوياًّ دوماً في مجابهةِ الآلامِ و الصعاب التي تبدو له الآن عبئاً ثقيلاً لا يحتملُ إطلاقاً و كأن أشداقُ الحياة المفتوحة على إتساعها تترآى له الآن فارغة و مملّة و فاقدة لكلِّ معانيها الى حدِّ القَرف و الغثيان ، و كان يغرقُ بهدوءٍ مريب في وحدةِ فراقٍ قاتل وهو ينقلُ خطواتَه خارج المقبرة ، تلك الخطوات التي تجمدت فجأةً و بكلِّ تلقائية على بُعدِ خطوتين بعد سياج المقبرة مباشرة ، فإلتفت العجوزُ الى الوراء وألقى نظرةً بعيدة للقبر المبللِ بدموعهِ و آهاتهِ الحرّى و أخذ يصغي بلهفة الى جهةِ القبر، فتوقفَ الشابان معَه وهما يتبادلان النظر باستغراب الى ملامح ِ العجوز و إنفراجِ أساريره المقطبة والى أحداقه المفتوحة و نظراته الولهى وهى ترنو نحو القبر بشكل لم يسبق لها مثيل ، كان سكونُ الغسق المضبّب قد إعتلى سكونَ القبر الذي تُرك وحيداً ، فترآى للعجوز بأن الهواء المتصاعد من القبر الندي يحمل الى سمعهِ صوتاً خافتاً يشبه همساً شفيفاً

... ـ لا تذهب ... و تتركني وحدي 

فتجمَّدَ العجوز في مكانه وهو يصغي الى ذلك الهمس الواضح الذي بدأ يتكرر و يموجُ في سمعهِ و في كاملِ كيانه المتصلب من الدهشة ، فنقلَ نظراتَه المتسائلة الى أعماقِ عيون الشابين الذاهلين لفترةٍ طويلة بدون جدوى فتيقّن بأنهما لم يسمعا ذلك الهمس الذي أثارَ في ذاكرته ، بدون أدنى شك ، ذكرياتاً عن أجملِ قصيدةٍ كتبتها الشاعرةُ المتوفية عن صوتِ البحر وهو يرتطم بالصخور المنقوعة بالزّبدِ و الطحالب ، كانت تلك القصيدة عن توحّد الأمواج الهادرة و عن وحدةِ البحر المتلاطم حين يكون قريباً من الساحل الى حدِّ التوحّد المطلق و بعيداً عنه الى حدِّ الإفتراق معلقاً بين حالةِ الإندماجِ بصخبٍ عنيف وبين حالةِ الفراق الأبدي بأقصى درجاتِ الألم ... 
إذن ... ها أنذا أتركها وحيدة بين أمواج القبور العاتية والممتدةِ على مدِّ البصر وفي أعماق لجّةِ هذا المساء الحالك .... يا للفجيعة ...!!!

إستدار العجوزُ صوب المدينة النابضة بالأنوار البعيدة تاركاً المقبرةَ ورائه ورنين ذلك الهمس المريب في سمعهِ بدأ يتحول الى ونينٍ موجع أيقظَ في ذاكرته زمناً نائياً من أيامِ خريفٍ مشمس فاتر إصطحبَ فيه المرحومةَ معه الى ساحل البحر الذي بدا مشعاً تحت ومضاتِ الشمسِ يموج ُ كأجنحةٍ ضخمة فوق رمالِ الساحل ساحباً معه الحجارةَ الصغيرة اللامعة والرمال المضيئة نحو أعماقه ، كان البحر هائجاً و صارخاً بآهاتٍ عنيفة على غير عادتهِ في ذلك الخريف المبكر ، فإجتاز مع المرحومة صخوراً ناتئة متهيباً من جلالِ البحر الهادر و متلمساً طريقَه صوب المدينة ، ولكن المرحومة إستدارت ووقفت بدونِ حراك مصغيةً الى إصطدام الأمواج الثائرة بالصخور ... 

ـ أتسمع صراخَ البحر ..؟؟

...!! ـ نعم

!! ـ البحر متبرّمٌ من وحدته

...!! ـ أسمع

...!! ـ إنه يقول .. لا تذهبا و تتركاني وحدي 

فحدّق العجوزُ للبحر و للمرحومة فترةً طويلة مندهشاً و متسائلاً مع نفسه .. 

ـ إلهي .. أية معانٍ مستنبطة تهيّجُ أعماقَ هذه الشاعرة ..؟

ففي ذلك المساء بالضبط وُلدت قصيدتها .. ( الفراق ) ...!! 



( ۳ ) قصائد 

... الفراق ( 1 ) 

... مرة أخرى 
أبرقَ الرّعد و هطل المطر
وجاش صدرُ البحر
موجاً إثر آخر
فهاجَ متبرماً حين رأى فراغَ الساحل 
ومن آلام الفراق .. بكى البحرُ
إكفهرَّ كالسماء
وتغيّرت ألوانُه
وبدونِ سابق إنذار ، إبيضّت ذوائبُه
فإمتدت أصابعُ أمواجه
مثل طفلٍ وليد
يستصرخُ داعياً من ورائنا

..... 

الأصواتُ تكسرت بوجعٍ فوق الصخور
ـ كان البحر ينتحبُ
بهديرِ أمواجه
وكنت أسمعُ صدى صوته الصاخب
أيها الإنسان
...!! لا تذهب و تتركني وحدي 

____


( 2 ) السعادة


أيةُ سعادة ، أن نكونَ معاً
أية سعادة ، أن تومضَ نجومُنا معاً
أية سعادة ، أن تبقى معاني الليل و النهار
وكلما نحترقُ ستُضاء لنا الطرقات

أية سعادة ، أن نسمعَ دقات قلبَينا معاً
أية سعادة ، أن نحمل آلام الوطن
أية سعادة ، أن نجدَ المحبةَ في الارض
وسوف نبقى ظلاً باهتاً بدون تلك المحبة

أية سعادة ، أن تسمو نغماتُك و نغماتي معاً
في سماء البساتين و الغابات
أية سعادة ، أن تمتلئ صدورُنا
بالألمِ و الفرح معاً
أية سعادة ، بأننا نعيشُ و نحيا
أية سعادة ، بأن نكونَ جُنداً للحق 
فنحن ذرة ، نحن قطرة ، نحن محيط
و ستبقى آثارُنا فوق التراب معاً

....... 


) حتى أرى ( تبريز ( 3 ) 


في قلبي طوفان
يمتلئ و يفيض
قلبي الذي سيبقى في الدروب
حتى أرى ( تبريز ) 

أعزائي .. صدقوني
سوف لا ترى النومَ عيوني
و سوف يكون كلامي شعلةً محترقة
حتى أرى ( تبريز) 

صدري طافحٌ بالكلمات
ولستُ شمعة لأنطفيء
ولكني سأتحول الى طائر عليل
حتى أرى ( تبريز )

هكذا ستمضي حياتي
و سوف أحيا بإسمي
فلا ينكسرُ جَناحي
) حتى أرى ( تبريز


لا أقدرُ على اللقاء
ولا أقدرُ على الابتسام
ولا أموت ، لا أموت
) حتى أرى ( تبريز 





( 4 ) كان عليَّ العيش



لا تحزني لمصيري يا زهرتي
كنتُ مثل سفينةٍ بدون ساحل
أحياناً ...
كانت أمسياتي تطول
وإشتياقي الى ( تبريز )
يبقى مؤجلاً الى الربيع الآتي
وتبقى صراخاتي هائمة في وجهِ الأرض
وكان عليَّ أن أعيشَ هذا العمر
و أحياناً ...
كانت أسحاري لا تبتسم بوجهي
و حريتي الآصيلة لا تأتي
و كل ما عانيتُه , عانيتُه لوحدي
ولم تكن الأقدار تدري
و أحياناً ...
كنتُ أرتعش تحت حرقة الشمس
وكنتُ أحيا عاما ً بأكمله في يوم ٍ واجد
وأحملُ عبءَ الأفيال على كتفي
وكان عليَّ أن أعيش هذا العمر ...
والآن .. إفترقت سُبلي الى ( تبريز)
وذَبلت في الأصصِ أزهاري
وأصبح من النوافل علاجُ حرقة صدري
فإذا سألوني ..
ماذا قدّمتِ للدنيا ..؟
فسوف أقول حتماً ... الحبَّ و السلام
وماذا أخذتِ من الدنيا ..؟
أقولُ ...... بحجم الدنيا ... الحسرة والآلام
وكان عليَّ أن أعيش هذا العمر

______



ملاحظة ... ( 1 ) ماتت الشاعرة في الغربة في ربيع عام ( 1991 )

ملاحظة ... ( 2 ) للمزيد من المعلومات عن حركة آذار ( 1946 ) يمكن الرجوع الى مقالة الكاتب عن (بولوت قره چورلو ( سهند ) ... شاعر آذربيجان الجنوبي الثائر ، المنشورة في موسوعة تركمان العراق .



Robert De Niro
Üst onbaşı

عدد الرسائل : 26
العائلة التركمانية : oğuz Avşar
تاريخ التسجيل : 18/09/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

مُساهمة من طرف Aktay Türkmen في الأحد سبتمبر 27, 2009 7:07 pm

Paylaştığınız için teşekkür ederim

Aktay Türkmen

Aktay Türkmen
Baş çavuş

عدد الرسائل : 296
العمر : 34
العائلة التركمانية : oğuz Avşar
تاريخ التسجيل : 17/03/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

مُساهمة من طرف rmadi41 في الإثنين أكتوبر 26, 2009 3:56 am

في قلبي طوفان
يمتلئ و يفيض
قلبي الذي سيبقى في الدروب
حتى أرى ( تبريز )

تحية لأتراك أذربيجان , تحية لتبريز
Tebriz Turan'in kapIsIdIr

rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

مُساهمة من طرف Abo Deniz في الإثنين أكتوبر 26, 2009 11:47 am

ellerin sağolsun
الف شكر لى المشاركة الرائعة

_________________

Abo Deniz
Yönetici

عدد الرسائل : 523
العمر : 30
الموقع : damascuse
العائلة التركمانية : oğuz Avşar
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: شاعرة من آذربيجان الجنوبي ( إيران )( مَدينه خانم گولگون )

مُساهمة من طرف سحاب في الجمعة نوفمبر 05, 2010 10:48 pm

شكرا لتلك الاضافة الجميلة
شكرا

سحاب
Onbaşı

عدد الرسائل : 12
العائلة التركمانية : oğuz Kayı
تاريخ التسجيل : 29/10/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى