آثار انهيار الدولة العثمانية على المجتمع التركي في المراجع الروسية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

آثار انهيار الدولة العثمانية على المجتمع التركي في المراجع الروسية

مُساهمة من طرف زائر في الخميس فبراير 19, 2009 4:08 am


أ.د. محمد البخاري


معظم المراجع الروسية لمرحلة ما بعد انهيار الدولة العثمانية رأت أن جوهر التركيبة الاجتماعية في الريف التركي والأسرة التركية بقي على حاله بشكل عام وهو ما أشارت إليه بوزنيانسكايا ك. عندما ذكرت أن "الريف التركي في سبعينات القرن العشرين بقي على حاله كما كان منذ مئة سنة مضت" وأوضحته سيريبرياكوفا م.ن. عندما أشارت إلى أن "الريف التركي لم يزل يعيش في ظل قوانينه الخاصة التي تشكلت عبر التاريخ من خلال أجيال عديدة". وأكده أحميدوف م. م.، وأغابيكوف ج. غ.عندما أشارا إلى أن "مؤشرات القيم الروحية عند الأتراك لا تتفق والمؤشرات الأوروبية" لأن أسلوب الحياة الغربية عند الأتراك عادة هي ستار مظهري يتستر وراءه مضمون ديني وأثبتا وجهة نظرهما بأنه "في المقاهي وفي المطاعم على الطراز الأوروبي المنتشرة في تركيا تجد نساء بين الزبائن يجلسن خلف الطاولات دون خجل ويتبادلن الأحاديث بمرح مع مجالسيهن الذين حضروا معهن لقضاء السهرة، وهن بزينة تواكب آخر صرعات الموضة الأوروبية. ولكن عندما تعزف الموسيقى يرقصن رقصات غربية حديثة تلبية لدعوة أحد جلسائهن من الرجال فقط. وتبدوا تصرفات كل زائرات أماكن الرقص تلك للناظر وكأنها على الطريقة الأوروبية حسب اعتقادهن ولكن بشرط أن يصطحبهن أقاربهن من الرجال. وهذه هي حالة أتراك "الطريقة الغربية"، ولو فكر أحد الأغراب من الموائد المجاورة أن يدعو امرأة تركية غريبة عنه ولا تمت له بصلة القرابة للرقص ففي أحسن الأحوال يتلقى رفضاً قاطعاً ويواجه النقد من الجميع وفي أسوأ الحالات قد يحول الموقف إلى شجار".
وأشارت بوزنيانسكايا ك. أيضاً إلى حالة الاهتزاز التي يعاني منها الوعي التركي واسع الانتشار بسبب اصطدامها بأفكار مصطفى كمال أتاتورك الذي دعى لإصلاحات أصطلح على تسميتها بـ"الكمالية"، وتتضمن تلك الأفكار إصلاحات جذرية لم تواجه أية احتجاجات حتى عندما تطال الحدود الأخلاقية للمجتمع، لأن الأكثرية العظمى من السكان لم تكن على علم بتلك الإصلاحات. ولأن الفلاحين الأتراك يعيشون اليوم في الريف كما عاش أجدادهم منذ أكثر من مئة سنة مضت، وهم متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة عن الدولة العثمانية. لأن "آلاف الفلاحين لا يعرفون حتى الآن أنهم يعيشون في جمهورية علمانية؛ ويعتقدون أن الحرب هي من أجل الاستقلال، وهي حرب دينية، وانتهت بانتصار الإسلام على الكفار" واستندت في رأيها هذا على سلسلة المقالات التي نشرها محمود ميكال بعنوان "لا جديد على الجبهة الشرقية" عام 1967، وأورد في واحدة منها حواراً لامرأة لم تسمع شيئاً لا عن عصمت باشا ولا عن ديميريل الذي كان حينها رئيساً للوزراء. وفي معرض إجابتها على سؤال من هو رئيس الدولة ؟ أجابت أنه السلطان الذي يعيش في استمبول أو أنقرة". وعلى سؤال لمن أعطيت صوتك في الانتخابات الأخيرة أجابت: "أنا لا أعرف أعطوني ورقة وألقيتها في الصندوق".
وعزى البعض عدم دراسة الفلاحين الأتراك بموضوع إلغاء الإسلام كدين للدولة في الدستور للجهل المطبق، ولكنهم تساءلوا كيف يمكن أن لا يكونوا على علم بإجراءات منع كل أنواع التعليم الديني حتى في المدارس الابتدائية وإغلاق كل روابط الدراويش ودور سكنهم وعبادتهم، ومنع لبس العمامة والطربوش، وتخلي النساء عن الحجاب (الملاية) ؟ رغم أن كل الشباب من أبناء الفلاحين كانوا يخدمون في الجيش التركي الذي كان سنداً للكمالية في تركياً، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة التركية تتابع منعها للتعليم الديني، وما رافقه من منع لتعليم اللغة العربية واللغة التركية المكتوبة بالحروف العربية وممارستهم لعليم القرآن الكريم سراً في الريف بشكل واسع بعيداً عن أعين السلطات. واعتقدوا أن ذلك كان بسبب طبيعة تفكير الفلاحين الأتراك الذي يميزهم عن غيرهم من الشعوب الإسلامية، وتصرفهم وكأنهم لم يروا ولم يسمعوا شيئاً. ومن هما ركز الباحثون الروس على فهم جوهر الكمالية وغيرها من المبادئ الأيديولوجية السائدة في تركيا آنذاك دون غيرها.
وأشار كوتشار م. إلى حقيقة أن الأيديولوجية الإسلامية للفاتحين الأتراك كانت لازمة لهم. ولكن بوادر الأزمة التي عانت منها الدولة العثمانية قبل انهيارها فرضت الحاجة لإيجاد مخرج من الأوضاع الصعبة التي وقعت فيها الدولة العثمانية وأثرت بقوة على طبيعة السلوك الشعبي. لتبرز الحاجة لإيجاد أسس أيديولوجية جديدة تسمح للدولة ببعث قوتها القديمة والعودة بظروف حياتها السابقة. وكان من الطبيعي أن تتجه نظريات الأيديولوجيين الأتراك نحو الغرب لأن الدولة العثمانية نفسها في ذلك الوقت كانت تتجه أكثر فأكثر نحو الغرب. وبدأ الفكر العثماني يأخذ من الغرب الشعارات مثل: الوطن، والمواطنة، والمساواة، وبالتدريج أدى ذلك إلى حصول مواطني الدولة على حقوق متساوية بغض النظر عن قوميتهم أو ديانتهم والغاية الأساسية من تلك الإصلاحات كان صهر الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية في "بوتقة اجتماعية متجانسة".
وكان من الطبيعي أن تواجه تلك الإصلاحات مقاومة شديدة من الأوساط الإسلامية المتشددة، ولهذا أخذ حزب تركيا الفتاة بجمع العديد من الأحزاب القومية في الدولة العثمانية حوله من أرمنية، وألبانية، وعربية، ويهودية وغيرها وقام بانقلابه عام 1908م بدعم من عواصم الدول الكبرى آنذاك، وتميزت تلك الفترة كما أوضحت كورتينوفا ل.ك. مستخدمة أمثلة عديدة منها "تحالف الأخوة" الذي جمع حزبي تركيا الفتاة، وحزب طاشناق تسوتون الأرمني، الأمر الذي لم يتقبله تفكير الإنسان التركي العادي الذي تشبع بالفكر العثماني بمضمونه الإسلامي الذي يعتمد على شعارات: الجماهير الإسلامية، والمحاربين باسم الله، وتفوق المؤمنين، والحرب المقدسة. ورفض تقبل الشعارات التي جاءت بها تلك القوى من الغرب مثل: الزمالة، والخدمة الحكومية، والمساواة، والتنمية. ومع ذلك فقد أثرت إلى حد ما في وعي وطريقة تفكير الإنسان التركي العادي.
وأشار كل من كورتينوفا ل.ك.، ومانديلشتام أ. إلى التصور الأيديولوجي الجديد الذي أصطلح على تسميته بـ "بان توركيزم" ودعى إلى إنشاء دولة طورانية تحل مكان الدولة العثمانية واستبدال الشعارات القديمة بشعارات جديدة تلغي الشعارات الإسلامية لتحل مكانها عند الأتراك، ولتحل الدولة الطورانية مكان الدولة العثمانية، واستمدت "بان توركيزم" فكرها من الفكر الأوروبي الذي كان شائعاً خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخاصة طروحات القوميين الألمان الجدد، وأكد مانديلشتام أ. على أن حركة "بان توركيزم" حصلت على دعم كبير من العناصر التركية التي تعيش خارج الدولة العثمانية وخاصة العناصر "التركية والتترية" الخاضعة للحكم الروسي. وأوردوا مثالاً على ذلك أن مؤسسي "بان توركيزم" كانوا من الأتراك والتتار الخاضعين للحكم الروسي أمثال: أحمد أغاييف، ويوسف أكتشورو، وعلي غوسين زادة، وإسماعيل غاسبرينسكي، وأن مؤسس الفكر الطوراني ضياء غيك ألب مؤلف الكتاب الشهير "أسس القومية التركية" عام 1923 دعى فيه إلى:
1. نشر الطورانية في بلاد الترك، والتخلص من العناصر غير التركية، وتنقية اللغة التركية من المفردات العربية، وتأسيس ثقافة قومية تركية؛
2. وتوحيد البلدان التي يعيش فيها أحفاد الأغوز وتشمل: آسيا الصغرى، وأذربيجان بقسميها الروسي والإيراني؛
3. وإقامة فيدرالية تضم الشعوب الأخرى الناطقة باللغة التركية.
وبحث الفكر الطوراني مثله مثل الفكر العثماني عن الإمكانيات لإعادة أمجاد وتفوق العنصر التركي انطلاقاً من أسس جديدة تضمن تفوق الفكر الطوراني عن غيره من الأفكار، وركز مفكري الطورانية على إضعاف التأثير الديني الإسلامي، من خلال التحول عن الفكر الإسلامي، والكف عن التوجه نحو العالم الإسلامي، وإحلال الأيديولوجية الطورانية والتوجه نحو العالم التركي بدلاً عنها. وهو ما حاول أتباع حركة تركيا الفتاة (ملادوتورك) تحقيقه ولكن دون أي صراع بينهم وبين رجال الدين لإدراكهم لضعفهم ولتوفير إمكانية تحقيق أهدافهم، التي نجح مصطفى كمال بتحقيقها بسهولة ويسر كبيرين.


عدل سابقا من قبل monisbu في الخميس فبراير 19, 2009 4:18 am عدل 1 مرات

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجزء الثاني

مُساهمة من طرف زائر في الخميس فبراير 19, 2009 4:10 am

تابع المقال


ومبادئ "بان طورانيزم" التي وضع أسسها ضياء غيك ألب بنيت على التناقضات الثقافية والحضارية للأتراك مع باقي الشعوب الإسلامية، وتحمست تلك المبادئ للمنجزات الحضارية التي أعطت العالم الغربي قوته وتفوقه، وبدأت تلك المبادئ بتوضيح أهمية بناء الأتراك لدولتهم القومية القوية التي تستمد قوتها من الثقافة والحضارة التركية، ومحاولة الاحتفاظ بها نظيفة من الشوائب لحمايتها من خطر الدول المجاورة. وتحققت المرحلة الأولى مما بشرت به حركة "بان طورانيزم" بإقامة الدولة التركية الحديثة في آسيا الصغرى كنواة لقيام الدولة الطورانية التي دعى إليها أيضاً مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية في مبادئه الأيديولوجية.
وأشار بعض الباحثين إلى أن التناقض الذي حصل بين المبادئ الأيديولوجية لمصطفى كمال أتاتورك، وأيديولوجية تركيا الفتاة، مما دفع للتأكيد على ذلك التناقض وذكر "إذا كان من المفيد توجيه سؤال لباحث تركي شريف عن الفارق بين برامج "حماية الحقوق"، و"الوحدة والتقدم"، و"الحرية والتفاهم"، ورغم حب وتعلق ذلك التركي الشريف بتركيا لن يستطيع إيضاح الفارق بينها" بينما ذكر مانديلشتان أ. أن "أكثرية أعضاء حزب تركيا الفتاة "ملادوتورك" مهتمون بالحركة القومية، وبذلوا الكثير من الجهد والطاقة ليكونوا أكثر تفاعلاً مع نشاطاتها. وأن الكمالية كانت تعكس التوجهات القومية التركية 100 % "، بينما راح أستاخوف غ. إلى أبعد من ذلك عندما أعلن أن "من بين الذين ترعرعوا على حليب حزب الاتحاد والترقي خرج كثير من رجالات حركة الأناضول"، واعتبروا أن الأهداف التي وضعها مصطفى كمال أتاتورك لإقامة دولة تركية حديثة لم تكن إلا بداية لتطبيق مبادئ تركيا الفتاة، وأنها تتفق مع ما دعى إليه ضياء غيك ألب في إطار إيضاحه لـ "قضايا الطورانية" التي تشمل إقامة دولة تركية قوية، والابتعاد عن الفكر الإسلامي، وإقامة حضارة غربية على أرضية ثقافية تركية. وشمول المرحلة الأولى لبرنامج دقيق يعمل على إحياء التراث الشعبي التركي لتصبح الطورانية مقبولة من الأتراك وأن تكون مبنية على مفاهيم طريقة التفكير التركية مع إدخال إضافات عليها مستمدة من الثقافة الغربية يقبلها الأتراك وتشمل مفاهيم مثل: الجماعة المنظمة، والمساواة عن طرق الانتخاب، وإخلاص الموظف المتعلم للدولة وهي الأفكار التي كان يدعو إليها مصطفى كمال أتاتورك أيضاً.
ورغم تضمن أفكار مصطفى كمال أتاتورك لمفاهيم تشكل الوعي التركي فقد تنبأ الباحثون الروس بنشوء صراعات تحول دون تحقيق الإصلاحات التي تطلعت إليها الكمالية وأوردوا أمثلة من بعض المراجع الأدبية عن الفترة التاريخية الممتدة من عام 1960 وحتى عام 1980 وهي الفترة التي شهدت انقلابات عسكرية مرة خلال كل عقد من الزمن تهدف الحرص على استمرار المبادئ الكمالية، ولكن الذي حدث أنه ما أن تتسلم السلطات المدنية السلطة في تركيا حتى يبدأ التأثير الإسلامي بالاشتداد. مما دفعهم لطرح السؤال التالي: كيف تمكنت السلطة الكمالية المطلقة من الاحتفاظ بالسلطة طيلة عشرات السنين ؟ رغم رفض الجماهير الفلاحية التركية لمضمون الأيديولوجية الكمالية، واستند الباحثين الروس في معرض ردهم على ما ورد في الأدب التركي المعاصر وخاصة في رواية خالدي أديب "اقتلوا العاهرة"، التي عرض فيها معاقبة الفلاحين لمعلمة وطنية حاولت نشر الفكر القومي في القرية التركية، ورواية يعقوب قادري "الغريب"، التي استقر بطلها الضابط التركي السابق جميل في قرية أناضولية، وخصص وقته لنشر الفكر الكمالي، ولكنه سرعان ما اقتنع بغياب المشاعر القومية عند الفلاحين الأناضوليين، الذين يصرون دائماً على أنهم "ليسوا أتراكاً، بل مسلمين". وأن ذلك جرى في تركيا من وجهة نظر كوليسنيكوفا أ.أ. رغم النشاطات التي كانت تقوم بها "البيوت التركية" التي بادر لتأسيسها أكتشوري في عام 1908، وجددت نشاطاتها في نيسان/أبريل عام 1924، وتم تمويل نشاطاتها من قبل الدولة بموجب القرار الحكومي الذي صدر في أيار/مايو عام 1925 واعترف رسمياً بأنها من أجهزة الدعوة لأيديولوجية "بان توركيزم"، وأشارت كوليسنيكوفا أ.أ. إلى أنه سرعان ما تحولت إلى مقاهي شعبية تقليدية عديمة الفائدة الأيديولوجية، ورغم لجوء السلطات الحكومية إلى إقامة "بيوت شعبية"، و"غرف شعبية" إلا أنها لاقت نفس المصير الذي واجهته "البيوت التركية".
وتعرضت بيلوفا ك.أ. لمبادرات المثقفين الأتراك من أجل الدعوة للفكر القومي في الريف التركي والمحاولات التي قاموا بها من أجل تأسيس تعاونيات ريفية لتحسين أوضاع الفلاحين الاقتصادية والسياسية، واستعرضت ما تناولته بعض المراجع الأدبية التركية التي خرجت بصورة بطل جديد يمثل المثقف، والمعلم، والطبيب، والضابط، وتضحياتهم الكبيرة من أجل تصفية الأمية والجهل في الأوساط الفلاحية، وبث الروح القومية، والمفاهيم والقيم الجديدة مكانها. وذكرت رواية "أنقرة" ليعقوب قدري، ورواية "تاتاروشكا" لخالدي أديب التي تنتهي بتغلب التشاؤم والتواكل والتعب على أبطالها. وروايات ثلاثينات القرن العشرين ومنها "تساقط الأوراق" و"الشفقة" لريشاد نوري التي عرضت بطل جديد يصور إنسان حطمته الهزيمة والفشل وهو يحاول تكراراً خدمة الناس. وأشارت بيلوفا ك.أ. لنماذج التشاؤم في الروايات التي تناولت الكفاح التحرري القومي للفلاحين الأتراك. وأكد نوفيتشيف أ.د. أن الكفاح التحرري الذي نادت به الكمالية وحركة "بان توركيزم" استوعبه الفهم الفلاحي على أنه جهاد من أجل الإسلام، وأن "الكفاح التحرري في جوهره هو انتصار للمسلمين على الكفار، لا من أجل تثبيت الفكر القومي وإقامة الدولة التركية، وأنهم يناضلون من أجل الخليفة وهو ما أجبر مصطفى كمال على تضمينها في أهدافه المعلنة". وأشارت بوزنيانسكايا ك. إلى التفاف الفلاحين الأتراك حول مصطفى كمال رغم الإجراءات المعادية للدين الإسلامي التي اتبعها المجلس التركي العظيم وللمقاطعة التي كانت سائدة بين الحكومة العلمانية والجماهير الفلاحية المؤمنة بالله، ولكنها لم تتطور لتأخذ طابع الصراع الحاد بين الجانبين.
وأوضح أحميدوف م.م.، وآغابيكوف ج.غ. أسباب ذلك لعدم تعرض الكمالية وأيديولوجية "بان توركيزم" للمفاهيم التي يدركها الوعي التركي، وعملت على تجنب الصراع مع الأوساط الشعبية التركية، ولم تحاول ردم الفجوة الفكرية والسياسية، ولم تسرع بعملية تبديل المفاهيم التقليدية وأسلوب حياة الإنسان التركي، وأوجدت نوعاً من الفراغ المؤقت لخلق توازن مبدئي يحافظ على بقاء الجمهورية العلمانية، وأن ذلك الفراغ المؤقت أخذ صفة الديمومة في بعض جوانبه من أجل المحافظة على التقاليد التي اعتاد عليها الفلاحين للتفرغ لمواجهة الصراعات الخارجية لأن مصطفى كمال وأيديولوجيي "بان تركيزم" كانوا يدركون حقيقة الولاء التام للفلاحين الأتراك للجيش الذي تعتمد عليه الجمهورية التركية لاستمرار بقائها. وهو ما أشارت إليه بوزنيانسكايا ك. مؤكدة على أهمية الجيش في عملية تشكل وعي الجماهير الفلاحية، ورأت أن الجمهورية العلمانية التركية قامت بتحديد علاقاتها بعدد كبير من المؤسسات لتغيير مقاييس القوة العسكرية التي كانت سائدة أيام الدولة العثمانية، والتي كانت تعتمد آنذاك على التوسع واحتلال الأراضي الجديدة، وإضافة غنائم جديدة للخزنة الحكومية، وتوفير الرخاء لرعاياها. وهو ما كان مثار لإعجاب الجماهير التركية بالزي العسكري حتى اليوم، وهو ما دفع بعشرات المتفرجين للتزاحم أمام القصر الجمهوري للتفرج على عملية تبديل الحرس، ومشاهدة العناصر المختارة من الجيش وهي ترتدي ملابس العرض العسكري وتخطوا بخطوات عسكرية متناسقة حتى ليكاد المرء يتصورهم وأنهم رجلاً واحداً في حركاتهم، وأضافت أنه لم تزل العروض العسكرية بالمناسبات الرسمية الهامة حتى الآن تبدأ بخطوات القطعات العسكرية الإنكشارية وهي ترتدي الزي العسكري السلطاني العثماني. وأعربت عن استغرابها لأن هذا يحدث في جيش يعتبر في المرتبة الثانية من حيث عدد الأفراد بين جيوش حلف "الناتو"، ومع ذلك يبث في الفلاحين الأميين فكرة أن جيوش السلطنة العثمانية لم تزل باقية وأن الجمهورية العلمانية هي استمرار لها وأن البلاد لم تزل تحت سلطة السلطان العثماني. وليعيشوا ذكريات بطولات مصطفى كمال أتاتورك الذي حققت قطعات من جيش السلطان العثماني تحت قيادته انتصارات كبيرة خلال الحرب العالمية الأولى، وحطم القوات الإنكليزية في الدردنيل، وأنقذ الأتراك في أصعب الظروف، وتولى قيادة الجيش في حربه ضد قوات الاحتلال الأجنبية مما أعطاه الحق بإجراء الإصلاحات التي يراها لازمة في الدولة، ولهذا جاء لشغل منصبه على رأس المجلس القومي العظيم بعد وفاة مصطفى كمال بطل عسكري آخر يحمل نفس الصفات التي حملها وهو عصمت إينونو.
كما وأشارت بوزنيانسكايا ك. إلى حقيقة هامة اعتمد عليها مصطفى كمال أتاتورك عند تشكيل جيشه الجديد ليكون من الفلاحين وبمثابة جيشهم الوطني حيث يمكنه الدفاع عن الإصلاحات التي سار عليها، وراح يقبل الشباب من أبناء الأسر الفلاحية الفقيرة في الكلية العسكرية مؤمناً السكن والطعام والملبس والرواتب السخية لهم، ورأت أن الضباط الأتراك اليوم يتميزون عن غيرهم في دول الشرق الأوسط لأنهم ينتمون إلى طبقات المجتمع التركي الوسطى. وذكرت أن دعوة أبناء الفلاحين لأداء الخدمة العسكرية في الأناضول كانت بمثابة الاحتكاك الأول لهم بالعالم الخارجي خارج مناطق سكنهم. واتفق معها دانيلوف د.ي. بالرأي مشيراً إلى جاذبية الخدمة كضباط في الجيش لأبناء الطبقات الوسطى التركية لأنها تعني بالنسبة لهم "إمكانية الحصول على مكانة جيدة في المجتمع، دون الحسب والنسب، والجاه ، والأموال. حتى أن بعض المنحدرين من شرائح المجتمع الفقيرة استطاعوا الخدمة حتى توليهم لمناصب قيادية في الجيش"، وهذا يذكر بأسلوب القبول للخدمة في صفوف جيش الدولة العثمانية أيام ازدهارها، حيث كانت الخدمة العسكرية الطريق نحو المناصب العليا التي كانت مفتوحة للأشخاص المنحدرين من الشرائح الدنيا، ولكنهم سرعان ما تميزوا في ساحة الحرب.
وفي معرض إشارة علييف غ. ز. للانقلابات العسكرية التي باتت تقليدية في تركيا المعاصرة اعترف بأن ثورة حزب تركيا الفتاة كانت مؤامرة سرعان ما تحولت إلى عيد شعبي حاول كل فرد من خلالها التعبير عن الحرية، وأضاف غيليرت ب. أن ما ميز الجماهير الشعبية التركية خلال ستينات القرن العشرين هو مظاهرات التأييد ورفع لافتات التأييد وصراخهم بعبارة "حريت (الحرية)"، وترديدهم لأناشيد التحرر القومي ووضع باقات الزهور عند النصب التذكاري لمصطفى كمال أتاتورك. وأشار حتى لوجود عدد من النساء المحجبات بين المتظاهرين وهن يرفعن لافتات تحمل شعار "عاش الجيش". وأن مظاهر التعبير عن الانقلابات العسكرية في تركيا كانت وكأنها أعياد، أخذين بعين الاعتبار أن الأعياد في تركيا قليلة، وأن الشعب بحث دائماً عن أسباب للتعبير عن الفرحة، وكان ظهور نساء في العقد السادس من عمرهن متحجبات بحجابهم الإسلامي ما هو إلا تحية للجيش التركي حامي فكر مصطفى كمال العلماني رغم أنه يمنع ارتداء الحجاب في تركيا المعاصرة، ورغم أن الجيش هو القوة الوحيدة التي تدعم العلمانية وتحارب التأثير الإسلامي دون أي خوف معتمداً على حب الأتراك الذي يسمح له بفعل ما يشاء يراه دون أية ردود فعل شعبية.
وأكد دانيلوف ف. إ. على أن طالب الكلية العسكرية في تركيا منذ التحاقه للدراسة فيها يبدأ بتلقي دروساً تربيه على الإخلاص المطلق لثورة أتاتورك، وأن أتاتورك هو رمز كل شيء من الفنون العسكرية إلى حل المسائل الحياتية التي يواجهها في حياته. واستنتج أن الجيش هو القوة التي تحافظ على الأيديولوجية الكمالية التي هي أصلاً أيديولوجية "بان توركيزم"، ولم يعتبر أن أحد منظمي الانقلاب العسكري عام 1960 العقيد ألب أصلان تيوركيش كان مصادفة من منظري "بان توركيزم" المعاصرين لأنه كان من مؤسس حزب النهضة القومية ذو الصبغة الفاشية، وأنه هو مؤلف منشورات "انهض ياتركي" الشهيرة عام 1962 وأشارت غسانوفا إ. يو. بأنها اعتراف بخسارة رومانيا، وهنغاريا، وسورية، والعراق، وفلسطين، ومصر، وطرابلس، وتونس، والجزائر، والقرم، والقوقاز، وتدعوا للمحافظة على ما تبقى من الوطن التركي، لترفرف عليه رايات النصر مرة أخرى، ولتخفق فوق الدولة المرسومة لكل طوران. وأشارت للمؤيدين الكثيرين لدعوة العقيد ألب أصلان تيوركيش في صفوف الجيش التركي وهو ما أشار إليه دانيلوف ف. إ. من أن الكثيرين من ضباط الجيش التركي يقيمون علاقات متينة مع الكتائب المسلحة لحزب النهضة القومية، ويؤيدون علناً أو سراً حزب النهضة القومية، ويؤيدون ما يدعو إليه العقيد ألب أصلان تيوركيش، في الوقت الذي يرفضون فيه أي تعامل مع الأحزاب الإسلامية.
ومن خلال الثنائية التي تميز الجيش التركي اتفق الباحثون على أنه وحتى اليوم يعتبر الجيش مصدراً للصراع التاريخي الدائم في تركيا، فالجيش هو حامي الأيديولوجية العلمانية المعادية لتقاليد الوعي الجماهيري التركي المبنية على الفكر الإسلامي، في الوقت الذي يعمل فيه على إبعاد الصراع الحتمي معتمداً على القوة والقدرة العسكرية التي تقرب الوعي الجماهيري من الأيديولوجية الكمالية التي تدعو للوفاق من أجل المصالح الوطنية. وأوردوا ما يؤكد وجهة نظرهم عندما قام الجيش التركي بالنزول في شمال جزيرة قبرص، حيث اعتبر العلمانيون ذلك نصراً قومياً لتركيا، في الوقت الذي اعتبره الشارع التركي نصراً للمسلمين. وهكذا تتعايش في تركيا فكرتين متناقضتين معتبرين أن الثانية أقرب للحقيقة، لأن الجنود الأتراك الذين حاربوا في قبرص هم من أبناء الشعب التركي وفهموا دورهم الذي قاموا بأدائه قي قبرص على أنه من أجل القومية التركية ومن أجل إعادة شيء ما فقدته الدولة التركية أثناء تاريخها الطويل، وهو ما أعطا الجيش التضامن الإيجابي من الأوساط الشعبية التي تحلم بعودة سطوة القوة والنفوذ التي كان يتمتع بها الأتراك أيام السلطة والنفوذ والرفاهية إبان الحكم العثماني. وهذا جزء من الحقيقة التي تقول أن تركيا المعاصرة تستمد قوتها من أصوات وقع خطوات جنود الإنكشارية التي تسمع خلال العروض العسكرية، وأن قوة تركيا اليوم هي من الجيش الذي يمثل في الوعي الشعبي، إحياء الدولة العثمانية القديمة، ويفرض حتمية العودة للتعايش السابق وإلغاء الصراع بين الوعي التركي وأسلوب حياة الأتراك المعاصرين.
وهكذا ينتهي بحث أعددته ليلقي الضوء على نظرة بعض الباحثين الروس عن أسباب وتأثيرات انهيار الدولة العثمانية وما أتمناه أن أكون قد وفقت من خلاله على إلقاء نظرة سريعة في أبحاث روسية تعتبر جزءاً من الأبحاث الإستشراقية الأوروبية التي رافقت انهيار الدولة العثمانية وقيام الدولة التركية المعاصرة والتي قد تفيد الباحثين العرب في وقت تشتد فيه الحاجة لإلقاء نظرة جديدة في تاريخ أعتقد أنه كان شبه مجهول وقد يتيح رؤية آفاق جديدة من التعاون والتفاهم للعلاقات العربية التركية في عالم سريع التبدل ويهدد وجود الكثير من دول العالم الإسلامي تحت مختلف الحجج وفي مقدمتها حجة نشر الديمقراطية التي تنادي بها قوى مؤثرة في عالم اليوم وتستثني نفسها حتى من التقيد بأبسط القواعد والأصول التي تحاول تصديرها وفرضها على الشعوب الأخرى من خلال علاقات دولية معاصرة معقدة وحيدة القطبية اختلت فيها موازين القوى التي عرفها العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.


عدل سابقا من قبل monisbu في الخميس فبراير 19, 2009 4:16 am عدل 1 مرات (السبب : تكبير الخط)

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: آثار انهيار الدولة العثمانية على المجتمع التركي في المراجع الروسية

مُساهمة من طرف rmadi41 في الخميس فبراير 19, 2009 9:03 am

اقتباس
حركة "بان طورانيزم" بإقامة الدولة التركية الحديثة في آسيا الصغرى كنواة لقيام الدولة الطورانية التي دعى إليها أيضاً مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية في مبادئه الأيديولوجية

اقتباس
خرجت بصورة بطل جديد يمثل المثقف، والمعلم، والطبيب، والضابط، وتضحياتهم الكبيرة من أجل تصفية الأمية والجهل في الأوساط الفلاحية، وبث الروح القومية، والمفاهيم والقيم الجديدة مكانها

rmadi41
Asteğmen

عدد الرسائل : 450
العمر : 36
العائلة التركمانية : karluk
تاريخ التسجيل : 16/03/2008

http://rmadi41.spaces.live.com/

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى